أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني وحذف ما يدّل على الجانب المأتي منه لظهوره من قوله :
مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ
، أي ما تأتيهم من عند ربّهم آية من آياته إلّا كانوا عنها معرضين .
و
مِنْ
في قوله :
مِنْ آيَةٍ
لتأكيد النفي لقصد عموم الآيات التي أتت وتأتي .
و
مِنْ
التي في قوله :
مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ
تبعيضية . والمراد بقوله :
مِنْ آيَةٍ
كلّ دلالة تدلّ على انفراد اللّه تعالى بالإلهية . من ذلك آيات القرآن التي لإعجازها لم كانت دلائل على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخبر به من الوحدانية . وكذلك معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام مثل انشقاق القمر . وتقدّم معنى الآية عند قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا *
في سورة البقرة [ ] .
وإضافة الربّ إلى ضمير هم لقصد التسجيل عليهم بالعقوق لحقّ العبودية ، لأنّ من حقّ العبد أن يقبل على ما يأتيه من ربّه وعلى من يأتيه يقول له : إنّي مرسل إليك من ربّك ، ثمّ يتأمّل وينظر ، وليس من حقّه أن يعرض عن ذلك إذ لعلّه يعرض عمّا إن تأمله علم أنّه من عند ربّه .
والاستثناء مفرّغ من أحوال محذوفة .
وجملة :
كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ
في موضع الحال . واختير الإتيان في خبر كان بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أنّ هذا الإعراض متحقّق من دلالة فعل الكون ، ومتجدّد من دلالة صيغة اسم الفاعل لأنّ المشتقّات في قوة الفعل المضارع . والاستثناء دلّ على أنّهم لم يكن لهم حال إلّا الإعراض .
وإنّما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمّل ، فهو دليل على أنّ المعرض مكذّب للمخبر المعرض عن سماعه .
وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة ، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر ، ويشمل ترك الاستماع للقرآن ، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقّا بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه ، كما يجيء في قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة .