تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
هم المشركون . وجيء بالمسند إليه ضميرا بارزا للتوبيخ . والامتراء : الشكّ والتردّد في الأمر ، وهو بوزن الافتعال ، مشتقّ من المرية - بكسر الميم - اسم للشكّ ، ولم يرد فعله إلّا بزيادة التاء ، ولم يسمع له فعل مجرّد . وحذف متعلّق
تَمْتَرُونَ
لظهوره من المقام ، أي تمترون في إمكان البعث وإعادة الخلق . والذي دلّ على أنّ هذا هو المماري فيه قوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
إذ لولا قصد التذكير بدليل إمكان البعث لما كان لذكر الخلق من الطين وذكر الأجل الأول والأجل الثاني مرجّح للتخصيص بالذكر . [ 3 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 3 ]

وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 ) عطف على قوله
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
[ الأنعام : 2 ] أي ، خلقكم ولم يهمل مراقبتكم ، فهو يعلم أحوالكم كلّها . فالضمير مبتدأ عائد إلى اسم الجلالة من قوله
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وليس ضمير فصل إذ لا يقع ضمير الفصل بعد حرف العطف . وقوله :
اللَّهُ
خبر عن المبتدأ . وإذ كان المبتدأ ضميرا عائدا إلى اسم اللّه لم يكن المقصود الإخبار بأنّ هذا الذي خلق وقضى هو اللّه إذ قد علم ذلك من معاد الضمائر ، فتعيّن أن يكون المقصود من الإخبار عنه بأنّه اللّه معنى يفيده المقام ، وذلك هو أن يكون كالنتيجة للأخبار الماضية ابتداء من قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ
[ الأنعام : 1 ] فنبّه على فساد اعتقاد الذين أثبتوا الإلهية لغير اللّه وحمدوا آلهتهم بأنّه خالق الأكوان وخالق الإنسان ومعيده ، ثم أعلن أنّه المنفرد بالإلهية في السماوات وفي الأرض ؛ إذ لا خالق غيره كما تقرّر آنفا ، وإذ هو عالم السرّ والجهر ، وغيره لا إحساس له فضلا عن العقل فضلا عن أن يكون عالما . ولمّا كان اسم الجلالة معروفا عندهم لا يلتبس بغيره صار قوله :
وَهُوَ اللَّهُ
في معنى الموصوف بهذه الصفات هو صاحب هذا الاسم لا غيره . وقوله :
فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
متعلّق بالكون المستفاد من جملة القصر ، أو بما في
الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الأنعام : 1 ] من معنى الانفراد بالإلهية ، كما يقول من يذكر جوادا ثم يقول : هو حاتم في العرب ، وهذا لقصد التنصيص على أنّه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلّها . وقوله :
يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
جملة مقرّرة لمعنى جملة
وَهُوَ اللَّهُ
ولذلك