وجملة :
مَكَّنَّاهُمْ
صفة ل
قَرْنٍ
وروعي في الضمير معنى القرن لأنّه دالّ على جمع .
ومعنى :
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ
ثبّتناهم وملّكناهم ، وأصله مشتقّ من المكان . فمعنى مكّنه ومكّن له ، وضع له مكانا . قال تعالى :
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً
. ومثله قولهم :
أرض له . ويكنّى بالتمكين عن الإقدار وإطلاق التصرّف ، لأنّ صاحب المكان يتصرّف في مكانه وبيته ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر . ويقال : هو مكين بمعنى ممكّن ، فعيل بمعنى مفعول . قال تعالى :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
فهو كناية أيضا بمرتبة ثانية ، أو هو مجاز مرسل مرتّب على المعنى الكنائي . والتمكين في الأرض تقوية التصرّف في منافع الأرض والاستظهار بأسباب الدنيا ، بأن يكون في منعة من العدوّ وفي سعة في الرزق وفي حسن حال ، قال تعالى :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ
، وقال :
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ
الآية . فمعنى مكّنه : جعله متمكّنا ومعنى مكّن له :
جعله متمكّنا لأجله ، أي رعيا له ، مثل حمده وحمد له ، فلم تزده اللام ومجرورها إلّا إشارة إلى أنّ الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول ، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصيّر مكّنه ومكّن له بمعنى واحد ، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي . ودليل ذلك قوله تعالى : هنا
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ
فإنّ المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعيّن أن يكون معنى الفعلين مستويا ، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين ، إذ التفاوت لا يظهر إلّا في شيء واحد ، ولأنّ كون القرون الماضية أقوى تمكّنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين ، وقد عكس هنا . وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكّنه ومكّن له ، وقول الزمخشري بأن : مكّن له بمعنى جعل له مكانا ، ومكّنه بمعنى أثبته . وكلام الراغب أمكن عربية . وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة .
واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنّه يستلزم التقوية . وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة .
و
ما
موصولة معناها التمكين ، فهي نائبة عن مصدر محذوف ، أي تمكينا لم نمكّنه لكم ، فتنتصب ( ما ) على المفعولية المطلقة المبيّنة للنوع . والمقصود مكّناهم تمكينا لم نمكّنه لكم ، أي هو أشدّ من تمكينكم في الأرض .
والخطاب في قوله :
لَكُمْ
التفات موجّه إلى الذين كفروا لأنّهم الممكّنون في