تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
والدّين في قوله :
اتَّخَذُوا دِينَهُمْ
يجوز أن يكون بمعنى الملّة ، أي ما يتديّنون به وينتحلونه ويتقرّبون به إلى اللّه ، كقول النابغة :
مجلّتهم ذات الإله ودينهم * قويم فما يرجون غير العواقب
أي اتّخذوه لعبا ولهوا ، أي جعلوا الدين مجموع أمور هي من اللعب واللهو ، أي العبث واللهو عند الأصنام في مواسمها ، والمكاء والتصدية عند الكعبة على أحد التفسيرين في قوله تعالى :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[ الأنفال : 35 ] . وإنّما لم يقل اتّخذوا اللهو واللعب دينا لمكان قوله :
اتَّخَذُوا
فإنّهم لم يجعلوا كلّ ما هو من اللهو واللعب دينا لهم بل عمدوا إلى أن ينتحلوا دينا فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسمّوها دينا . ويجوز أن يكون المراد من الدّين العادة ، كقول المثقّب العبدي :
تقول وقد درأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني
أي الذين دأبهم اللعب واللهو المعرضون عن الحقّ ، وذلك في معاملتهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . واللعب واللهو تقدّم تفسيرهما في قوله تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
في هذه السورة [ 32 ] . والذين اتّخذوا دينهم لعبا ولهوا فريق عرفوا بحال هذه الصلة واختصّت بهم ، فهم غير المراد من الذين يخوضون في الآيات بل بينهم وبين الذين يخوضون في الآيات ؛ فيجوز أن يكون المراد بهم المشركين كلّهم بناء على تفسير الدين بالملّة والنّحلة فهم أعمّ من الذين يخوضون فبينهم العموم والخصوص المطلق . وهذا يناسب تفسير
ذَرِ
بمعنى عدم الاكتراث بهم وبدينهم لقصد عدم اليأس من إيمانهم أو لزيادة التسجيل عليهم ، أي وذكّرهم بالقرآن ، ويجوز أن يكون المراد بهم فريقا من المشركين سفهاء اتّخذوا دأبهم اللعب واللهو ، بناء على تفسير الدين بمعنى العادة فبينهم وبين الذين يخوضون العموم والخصوص الوجهي .
وَغَرَّتْهُمُ
أي خدعتهم الحياة الدنيا وظنّوا أنّها لا حياة بعدها وأنّ نعيمها دائم لهم بطرا منهم . وتقدّم تفسير الغرور عند قوله تعالى :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
في سورة آل عمران [ 196 ] .