تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
بأصولهم أن يقال : الأمور أربعة أقسام ؛ فإنّها إمّا أن لا تكون متشكّلة ولا متغيّرة ، وإمّا أن تكون متشكّلة غير متغيّرة ، وإمّا أن تكون متغيّرة غير متشكّلة ؛ وإمّا أن تكون متشكّلة ومتغيّرة معا . فأمّا ما لا تكون متشكّلة ولا متغيّرة فإنّه تعالى عالم به سواء كان كليّا أو جزئيا . وكيف يمكن القول بأنّه تعالى لا يعلم الجزئيّات منها مع اتّفاق الأكثر منهم على علمه تعالى بذاته المخصوصة وبالعقول . وأمّا المتشكّلة غير المتغيّرة وهي الأجرام العلوية فهي غير معلومة له تعالى بأشخاصها عندهم ، لأنّ إدراك الجسمانيات لا يكون إلّا بآلات جسمانية . وأمّا المتغيّرة غير المتشكّلة فذلك مثل الصور والأعراض الحادثة والنفوس الناطقة ، فإنّها غير معلومة له لأنّ تعلّقها يحوج إلى آلة جسمانية بل لأنّها لمّا كانت متغيّرة يلزم من تغيّرها العلم . وأمّا ما يكون متشكّلا ومتغيّرا فهو الأجسام الكائنة الفاسدة « 1 » . وهي يمتنع أن تكون مدركة له تعالى للوجهين ( أي المذكورين في القسمين الثاني والثالث ) ا ه . وقد عدّ إنكار الفلاسفة أنّ اللّه يعلم الجزئيّات من أصول ثلاثة لهم خالفت المعلوم بالضرورة من دين الإسلام . وهي : إنكار علم اللّه بالجزئيّات ؛ وإنكار حشر الأجساد ، والقول بقدم العالم . ذكر ذلك الغزالي في « تهافت الفلاسفة » فمن يوافقهم في ذلك من المسلمين يعتبر قوله كفرا ، لكنّه من قبيل الكفر باللازم فلا يعتبر قائله مرتدّا إلّا بعد أن يوقف على ما يفضي إليه قوله ويأبى أن يرجع عنه فحينئذ يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلّا حكم بردّته . [ 60 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 60 ]

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) عطف جملة
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
على جملة
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها
[ الأنعام : 59 ] انتقالا من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأنّ ذلك كلّه من دلائل الإلهية تعليما لأوليائه ونعيا على المشركين أعدائه . وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم
هامش
( 1 ) يعني التي يعتريها الكون والفساد .