تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وجملة :
وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
عطف على جملة
لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
، أو على جملة
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ
، لأنّ كلتيهما اشتملت على إثبات علم للّه ونفي علم عن غيره ، فعطفت عليهما هذه الجملة التي دلّت على إثبات علم للّه تعالى ، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصّل الناس إلى علم بعضها ، فعطف هذه الجملة على جملة
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ
لإفادة تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس . وظهور ما في البرّ للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر . وذكر البرّ والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة ، لأنّ البرّ هو سطح الأرض الذي يمشي فيه الحيوان غير سابح ، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءا من الأرض سواء كان الماء ملحا أم عذبا . والعرب تسمّي النهر بحرا كالفرات ودجلة . والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلّها . وجملة :
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ
عطف على جملة :
وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة . فإحاطة العلم بالخفايا مع كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به . وهذه من معجزات القرآن فإنّ اللّه علم ما يعتقده الفلاسفة وعلم أن سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالا ، إذ قال :
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ
كما سنبيّن الاختيار في وجه إعرابه . والمراد بالورقة ورقة من الشّجر . وحرف ( من ) زائد لتأكيد النفي ليفيد العموم نصّا . وجملة
يَعْلَمُها
في موضع الحال من
وَرَقَةٍ
الواقعة في حيّز النفي المستغنية بالعموم عن الصفة . وذلك لأنّ الاستثناء مفرّغ من أحوال ، وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء من عموم الأحوال ، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلّا حالة يعلمها . والأظهر في نظم قوله :
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ
أن يكون
وَرَقَةٍ
في محلّ المبتدأ مجرور ب
مِنْ
الزّائدة ، وجملة
تَسْقُطُ
صفة ل
وَرَقَةٍ
مقدّمة عليها فتعرب حالا ، وجملة
إِلَّا يَعْلَمُها
خبر مفرّغ له حرف الاستثناء .
وَلا حَبَّةٍ
عطف على المبتدأ بإعادة حرف النفي ، و
فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ
صفة ل
حَبَّةٍ
، أي ولا حبّة من بذور النبت مظروفة في طبقات الأرض إلى أبعد عمق يمكن ، فلا يكون
حَبَّةٍ
معمولا لفعل
تَسْقُطُ
لأنّ