تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
الحبّة التي تسقط لا تبلغ بسقوطها إلى ظلمات الأرض .
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ
معطوفان على المبتدأ المجرور ب
مِنْ
. والخبر عن هذه المبتدءات الثلاثة هو قوله :
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
لوروده بعد الثلاثة ، وذلك ظاهر وقوع الإخبار به عن الثلاثة ، وأنّ الخبر الأول راجع إلى قوله :
مِنْ وَرَقَةٍ
. والمراد بالكتاب المبين العلم الثابت الذي لا يتغيّر ، وما عسى أن يكون عند اللّه من آثار العلم من كتابة أو غيرها لم يطلعنا على كنهها . وقيل : جرّ
حَبَّةٍ
عطف على
وَرَقَةٍ
مع إعادة حرف النفي ، و
فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ
وصف ل
حَبَّةٍ
. وكذلك قوله :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ
بالجرّ عطفا على
حَبَّةٍ
و
وَرَقَةٍ
، فيقتضي أنّها معمولة لفعل
تَسْقُطُ
، أي ما يسقط رطب ولا يابس ، ومقيّدة بالحال في وقوله :
إِلَّا يَعْلَمُها
. وقوله :
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
تأكيد لقوله :
إِلَّا يَعْلَمُها
لأنّ المراد بالكتاب المبين علم اللّه تعالى سواء كان الكتاب حقيقة أم مجازا عن الضبط وعدم التبديل . وحسّن هذا التأكيد تجديد المعنى لبعد الأول بالمعطوفات وصفاتها ، وأعيد بعبارة أخرى تفنّنا . وقد تقدّم القول في وجه جمع
ظُلُماتِ
عند قوله تعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
في هذه السورة [ 1 ] . و
مُبِينٍ
إمّا من أبان المتعدّي ، أي مبين لبعض مخلوقاته ما يريده كالملائكة ، أو من أبان القاصر الذي هو بمعنى بان ، أي بيّن ، أي فصل بما لا احتمال فيه ولا تردّد . وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكلّيّات والجزئيّات . وهذا متّفق عليه عند أهل الأديان دون تصريح به في الكتب السابقة وما أعلنه إلّا القرآن في نحو قوله :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] . وفيه إبطال لقول جمهور الفلاسفة أنّ اللّه يعلم الكلّيّات خاصّة ولا يعلم الجزئيّات ، زعما منهم بأنّهم ينزّهون العلم الأعلى عن التجزّي ؛ فهم أثبتوا صفة العلم للّه تعالى وأنكروا تعلّق علمه بجزئيات الموجودات . وهذا هو المأثور عنهم عند العلماء . وقد تأوّله عنهم ابن رشد الحفيد ونصير الدين الطوسي . وقال الإمام الرازي في « المباحث المشرقية « 1 » » : ولا بدّ من تفصيل مذهب الفلاسفة فإنّ اللائق
هامش
( 1 ) كذا نسب إليه عبد الحكيم السلكوتي في « الرسالة المعروفة بالخاقانية » . رسالة مخطوطة في مكتبتنا .