تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
[ 52 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 52 ]

وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) عطف على قوله :
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
[ الأنعام : 51 ] لأنّه في معنى أنذرهم ولازمهم وإن كره ذلك متكبّرو المشركين . فقد أجريت عليهم هنا صلة أخرى هي أنسب بهذا الحكم من الصلة التي قبلها ، كما أنّ تلك أنسب بالحكم الذي اقترنت معه منها بهذا ، فلذلك لم يسلك طريق الإضمار ، فيقال : ولا تطردهم ، فإنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء داعيا إلى اللّه فأولى الناس بملازمته الذين هجّيراهم دعاء اللّه تعالى بإخلاص فكيف يطردهم فإنّهم أولى بذلك المجلس ، كما قال تعالى :
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
[ آل عمران : 68 ] . روى مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال : كنّا مع النّبيء ستة نفر ، فقال المشركون للنبي : أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا . قال : وكنت أنا ، وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ورجلان ، لست أسمّيهما ، فوقع في نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما شاء اللّه أن يقع ، فحدّث نفسه فأنزل اللّه تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
ا ه . وسمّى الواحدي بقيّة الستّة : وهم صهيب ، وعمّار بن ياسر ، والمقداد بن الأسود ، وخبّاب بن الأرتّ . وفي قول ابن مسعود « فوقع في نفس رسول اللّه ما شاء اللّه » إجمال بيّنه ما رواه البيهقي أنّ رؤساء قريش قالوا لرسول اللّه : لو طردت هؤلاء الأعبد وأرواح جبابهم ( جمع جبّة ) جلسنا إليك وحادثناك . فقال : ما أنا بطارد المؤمنين . فقالوا : فأقمهم عنّا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت ، فقال : نعم ، طعما في إيمانهم . فأنزل اللّه هذه الآية . ووقع في « سنن » ابن ماجة عن خبّاب أنّ قائل ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، وأنّ ذلك سبب نزول الآية ، وقال ابن عطية : هو بعيد لأنّ الآية مكية . وعيينة والأقرع إنّما وفدا مع وفد بني تميم بالمدينة سنة الوفود . ا ه . قلت : ولعلّ ذلك وقع منهما فأجابهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما . وفي سنده أسباط بن نصر أو نضر ، ولم يكن بالقوي ، وفيه السديّ ضعيف . وروي مثله في بعض التفاسير عن سلمان الفارسي ، ولا يعرف سنده . وسمّى ابن إسحاق أنّهم المستضعفون من المؤمنين وهم : خبّاب ، وعمّار ، وأبو فكيهة ، يسار مولى صفوان بن