تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
أولئك في مجلسك يصدّ كبراء المشركين عن الإيمان ، أي أنّ ذلك مدحوض تجاه حقّ المؤمنين في مجلس رسولهم وسماع هديه . وقيل معنى :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ
أنّ المشركين طعنوا في إخلاص هؤلاء النفر ، قالوا : يا محمد إنّ هؤلاء إنّما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنّهم يجدون مأكولا وملبوسا عندك ، فقال اللّه تعالى : ما يلزمك إلّا اعتبار ظاهرهم وإن كان لهم باطن يخالفه فحسابهم على اللّه ، أي إحصاء أحوالهم ومناقشتهم عليها على نحو قول نوح
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
[ الشعراء : 113 ] . فمعنى حسابهم على هذا الوجه تمحيص نياتهم وبواطنهم . والقصد من هذا تبكيت المشركين على طريقة إرخاء العنان ، وليس المراد استضعاف يقين المؤمنين . و
حِسابِهِمْ
على هذا الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله . ويجوز أن يكون الضميران عائدين إلى غير مذكور في الكلام ولكنّه معلوم من السياق الذي أشار إليه سبب النزول ، فيعود الضميران إلى المشركين الذين سألوا طرد ضعفاء المؤمنين من مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون ضمير
فَتَطْرُدَهُمْ
عائدا إلى المؤمنين . ويختلف معاد الضميرين اعتمادا على ما يعيّنه سياق الكلام ، كقوله تعالى :
وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
[ الروم : 9 ] ، وقول عباس بن مرداس في وقعة حنين :
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا
أي أحرز المشركون ما جمعه المسلمون من الغنائم . والمعنى : ما عليك من حساب المشركين على الإيمان بك أو على عدم الإيمان شيء ، فإنّ ذلك موكول إليّ فلا تظلم المؤمنين بحرمانهم حقّا لأجل تحصيل إيمان المشركين ، فيكون من باب قوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
[ النساء : 135 ] . وعلى هذا الوجه يجوز كون إضافة
حِسابِهِمْ
من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي محاسبتك إيّاهم . ويجوز كونها من إضافته إلى فاعله ، أي من حساب المشركين على هؤلاء المؤمنين فقرهم وضعفهم . و
عَلَيْكَ
خبر مقدّم . و ( على ) فيه دالّة على معنى اللزوم والوجوب لأنّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - همّ أو كان بحيث يهمّ بإجابة صناديد قريش لما سألوه ، فيكون تنبيها على أنّ تلك المصلحة مدحوضة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 117 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور