تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
الأظهر أنّه عطف على قوله :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
[ الأنعام : 50 ] لأنّ ذلك مقدّمة لذكر من مثّلت حالهم بحال البصير وهم المؤمنون . وضمير
بِهِ
عائد إلى
ما يُوحى إِلَيَّ
[ الأنعام : 50 ] وهو القرآن وما يوحى به إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم غير مراد به الإعجاز . و
الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
هم المؤمنون الممثّلون بحال البصير . وعرّفوا بالموصول لما تدلّ عليه الصلة من المدح ، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم ، لأنّ الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار نافع ، خلافا لحال الذين ينكرون الحشر ، فلا يخافونه فضلا عن الاحتياج إلى شفعاء . و
أَنْ يُحْشَرُوا
مفعول
يَخافُونَ
، أي يخافون الحشر إلى ربّهم فهم يقدّمون الأعمال الصالحة وينتهون عمّا نهاهم خيفة أن يلقوا اللّه وهو غير راض عنهم . وخوف الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه . ففي الكلام تعريض بأنّ المشركين لا ينجع فيهم الإنذار لأنّهم لا يؤمنون بالحشر فكيف يخافونه . . ولذلك قال فيهم
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 6 ] . وجملة :
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
حال من ضمير
أَنْ يُحْشَرُوا
، أي يحشروا في هذه الحالة ، فهذه الحال داخلة في حيّز الخوف . فمضمون الحال معتقد لهم ، أي ليسوا ممّن يزعمون أنّ لهم شفعاء عند اللّه لا تردّ شفاعتهم ، فهم بخلاف المشركين الذين زعموا أصنامهم شفعاء لهم عند اللّه . وقوله
مِنْ دُونِهِ
حال من
وَلِيٌّ
و
شَفِيعٌ
، والعامل في الحال فعل
يَخافُونَ
، أي ليس لهم ولي دون اللّه ولا شفيع دون اللّه ذلك بأنّ اللّه مولى الذين آمنوا . وهو تعريض بالمشركين الذين اتّخذوا شفعاء وأولياء غير اللّه . وفي الآية دليل على ثبوت الشفاعة بإذن اللّه كما قال تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
[ البقرة : 255 ] . ولصاحب « الكشاف » هنا تكلّفات في معنى
يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا
وفي جعل الحال من ضمير
يُحْشَرُوا
حالا لازمة ، ولعلّه يرمي بذلك إلى أصل مذهبه في إنكار الشفاعة . وقوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
رجاء مسوق مساق التعليل للأمر بإنذار المؤمنين لأنّهم يرجى تقواهم ، بخلاف من لا يؤمنون بالبعث .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 113 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور