تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
عرب الشام الذين بلغتهم دعوة النصرانية على طريق الروم ، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام شعرائهم . قال النابغة :
لو أنّها برزت لأشمط راهب * عبد الإله صرورة متعبّد
لرنا لطلعتها وحسن حديثها * ولخاله رشدا وإن لم يرشد
فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم ممّا يكون سببا في صلاح أخلاق أهل ملّتهم . والاستكبار : السين والتاء فيه للمبالغة . وهو يطلق على التكبّر والتعاظم ، ويطلق على المكابرة وكراهية الحقّ ، وهما متلازمان . فالمراد من قوله :
لا يَسْتَكْبِرُونَ
أنّهم متواضعون منصفون . وضمير
وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير
بِأَنَّ مِنْهُمْ
، أي وأنّ الذين قالوا إنّا نصارى لا يستكبرون ، فيكون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملّة النصرانية في ذلك العصر . وقد كان نصارى العرب متحلّين بمكارم من الأخلاق . قال النابغة يمدح آل النعمان الغساني وكانوا متنصّرين :
مجلّتهم ذات الإله ودينهم * قويم فما يرجون غير العواقب
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده * ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
وظاهر قوله
الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى
أنّ هذا الخلق وصف للنصارى كلّهم من حيث إنّهم نصارى فيتعيّن أن يحمل الموصول على العموم العرفي ، وهم نصارى العرب ، فإنّ اتّباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضمّ إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارم أخلاق دينية ، كما كان عليه زهير ولبيد وورقة بن نوفل وأضرابهم . وضمير
وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
عائد إلى
قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
لأنّه أقرب في الذكر ، وهذا تشعر به إعادة قوله
وَأَنَّهُمْ
، ليكون إيماء إلى تغيير الأسلوب في معاد الضمير ، وتكون ضمائر الجمع من قوله
وَإِذا سَمِعُوا
- إلى قوله -
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ
[ المائدة : 83 - 85 ] تابعة لضمير
وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
. وقرينة صرف الضمائر المتشابهة إلى معادين هي سياق الكلام . ومثله وارد في الضمائر كقوله تعالى :
وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها
[ الروم : 9 ] . فضمير الرفع في
عَمَرُوها
الأول عائد إلى غير ضمير الرفع في
عَمَرُوها
الثاني . وكقول عبّاس بن مرداس :
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا