تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
إسرائيل
فاسِقُونَ
. فالضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ
و
فاسِقُونَ
كافرون ، فلا عجب في موالاتهم المشركين لاتّحادهم في مناواة الإسلام . فالمراد بالكثير في قوله :
وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ
عين المراد من قوله
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
فقد أعيدت النكرة نكرة وهي عين الأولى إذ ليس يلزم إعادتها معرفة . ألا ترى قوله تعالى :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
[ الشرح : 5 ، 6 ] . وليس ضمير
مِنْهُمْ
عائدا إلى
كَثِيراً
إذ ليس المراد أنّ الكثير من الكثير فاسقون بل المراد كلّهم . [ 82 - 84 ]

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 82 إلى 84 ]

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فذلكة لما تقدّم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين ؛ فإنّ اللّه شنّع من أحوال اليهود ما يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً *
[ المائدة : 64 ] ، فكرّرها مرّتين وقال :
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ المائدة : 80 ] وقال :
وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ
[ المائدة : 61 ] فعلم تلوّنهم في مضارّة المسلمين وأذاهم . وذكر من أحوال النصارى ما شنّع به عقيدتهم ولكنّه لم يحك عنهم ما فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتّخاذ الفريقين أولياء في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ
[ المائدة : 51 ] الآية . فجاء قوله :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً
الآية فذلكة لحاصل ما تكنّه ضمائر الفريقين نحو المسلمين ، ولذلك فصلت ولم تعطف . واللام في
لَتَجِدَنَّ
لام القسم يقصد منها التأكيد ، وزادته نون التوكيد تأكيدا . والوجدان هنا وجدان قلبي ، وهو من أفعال العلم ، ولذلك يعدّى إلى مفعولين ، وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
في سورة البقرة [ 96 ] . وانتصب
عَداوَةً
على تمييز نسبة
أَشَدَّ
إلى النّاس ، ومثله انتصاب
مَوَدَّةً
. وذكر المشركين مع اليهود لمناسبة اجتماع الفريقين على عداوة المسلمين ، فقد ألّف بين اليهود والمشركين بغض الإسلام ؛ فاليهود للحسد على مجيء النبوءة من غيرهم ،