تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وقد دلّت م على تراخي الفعلين المعطوفين بها عن الفعلين المعطوف عليهما وأنّ هنالك عميين وصممين في زمنين سابق ولا حق ، ومع ذلك كانت الضّمائر المتّصلة بالفعلين المعطوفين عين الضمائر المتّصلة بالفعلين المعطوف عليهما ، والّذي سوّغ ذلك أنّ المراد بيان تكرّر الأفعال في العصور وادّعاء أنّ الفاعل واحد ؛ لأنّ ذلك شأن الأخبار والصفات المثبتة للأمم والمسجّل بها عليهم توارث السجايا فيهم من حسن أو قبيح ، وقد علم أنّ الّذين عموا وصمّوا ثانية غير الّذين عموا وصمّوا أوّل مرّة ، ولكنّهم لمّا كانوا خلفا عن سلف ، وكانوا قد أورثوا أخلاقهم أبناءهم اعتبروا كالشئ الواحد ، كقولهم : بنو فلان لهم ترات مع بني فلان . وقوله :
كَثِيرٌ مِنْهُمْ
بدل من الضّمير في قوله :
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا
، قصد منه تخصيص أهل الفضل والصّلاح منهم في كلّ عصر بأنّهم برآء ممّا كان عليه دهماؤهم صدعا بالحق وثناء على الفضل . وإذ قد كان مرجع الضّميرين الأخيرين في قوله :
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا
هو عين مرجع الضميرين الأوّلين في قوله :
فَعَمُوا وَصَمُّوا
كان الإبدال من الضميرين الأخيرين المفيد تخصيصا من عمومهما ، مفيدا تخصيصا من عموم الضميرين الّذين قبلهما بحكم المساواة بين الضّمائر ، إذ قد اعتبرت ضمائر أمّة واحدة ، فإنّ مرجع تلك الضّمائر هو قوله
بَنِي إِسْرائِيلَ
[ المائدة : 70 ] . ومن الضّروري أنّه لا تخلوا أمّة ضالّة في كلّ جيل من وجود صالحين فيها ، فقد كان في المتأخّرين منهم أمثال عبد اللّه بن سلام ، وكان في المتقدّمين يوشع وكالب اللّذين قال اللّه في شأنها
قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ
[ المائدة : 23 ] . وقوله :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
تذييل . والبصير مبالغة في المبصر ، كالحكيم بمعنى المحكم ، وهو هنا بمعنى العليم بكلّ ما يقع في أفعالهم الّتي من شأنها أن يبصرها النّاس سواء ما أبصره النّاس منها أم ما لم يبصروه ، والمقصود من هذا الخبر لازم معناه ، وهو الإنذار والتّذكير بأنّ اللّه لا يخفى عليه شيء ، فهو وعيد لهم على ما ارتكبوه بعد أن تاب اللّه عليهم . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم ، وأبو جعفر
أَلَّا تَكُونَ
- بفتح نون تكون على اعتبار ( أن ) حرف مصدر ناصب للفعل . وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، ويعقوب ، وخلف - بضم النّون - على اعتبار ( أن ) مخفّفة من ( أنّ ) أخت ( إنّ ) المكسورة الهمزة ، وأنّ