تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
بالتّأويل أو الكتمان ، وأنكر عليهم منكرون أو طالبوهم بالاستظهار على تأويلهم فطمعوا أن يجدوا في تحكيم النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ما يعتضدون به . وظاهر الشرط يقتضي أنّ اللّه أعلم رسوله باختلافهم في حكم حدّ الزّنا ، وبعزمهم على تحكيمه قبل أن يصل إليه المستفتون . وقد قال بذلك بعض المفسّرين فتكون هذه الآية من دلائل النّبوءة . ويحتمل أنّ المراد : فإن جاءوك مرّة أخرى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم . وقد خيّر اللّه تعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلّم في الحكم بينهم والإعراض عنهم . ووجه التخيير تعارض السببين ؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكم بينهم ، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلّا يعرّض الحكم النبوي للاستخفاف . وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشقّ المقتضي أنّه يحكم بينهم إشارة إلى أنّ الحكم بينهم أولى . ويؤيّده قوله بعد
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
أي بالحقّ ، وهو حكم الإسلام بالحدّ . وأمّا قوله :
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
فذلك تطمين للنّبي صلى اللّه عليه وسلّم لئلّا يقول في نفسه : كيف أعرض عنهم ، فيتّخذوا ذلك حجّة علينا . يقولون : ركنّا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنّا فلا نسمع دعوتكم من بعد . وهذا ممّا يهتمّ به النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم لأنّه يؤول إلى تنفير رؤسائهم دهماءهم من دعوة الإسلام فطمّنه اللّه تعالى بأنّه إن فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرّة . ولعلّ في هذا التطمين إشعارا بأنّهم لا طمع في إيمانهم في كلّ حال . وليس المراد بالضرّ ضرّ العداوة أو الأذى لأنّ ذلك لا يهتمّ به النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ولا يخشاه منهم ، خلافا لما فسّر به المفسّرون هنا . وتنكير
شَيْئاً
للتحقير كما هو في أمثاله ، مثل
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لأنّه في نية الإضافة إلى مصدر ، أي شيئا من الضرّ ، فهو نائب عن المصدر . وقد تقدّم القول في موقع كلمة شيء عند قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
في سورة البقرة [ 155 ] . والآية تقتضي تخيير حكّام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكّموهم ؛ لأنّ إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكّام مساو إباحته للرسول . واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكّام المسلمين في خصومات غير المسلمين . وقد دلّ الاستقراء على أنّ الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكّام ملّتهم ، فإذا تحاكموا إلى حكّام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكلّ ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنّه يجب الحكم بينهم ( وعلى هذا فالتخيير