تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
لو وقع الهلك وصفا لامرئ ؛ بأن قيل : المرء الهالك يرثه وارثه وهو يرث وارثه إن مات وارثه قبله . والفرق بين الاستعمالين رشيق في العربية . وقوله :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
امتنان ، و
أَنْ تَضِلُّوا
تعليل ل ( يبيّن ) حذفت منه اللام ، وحذف الجار مع ( أن ) شائع . والمقصود التعليل بنفي الضلال لا لوقوعه ؛ لأنّ البيان ينافي التضليل ، فحذفت لا النافية ، وحذفها موجود في مواقع من كلامهم إذا اتّضح المعنى ، كما ورد مع فعل القسم في نحو : فآلينا عليها أن تباعا أي أن لا تباع ، وقوله : آليت حبّ العراق الدهر أطعمه وهذا كقول عمرو بن كلثوم :
نزلتم منزل الأضياف منّا * فعجّلنا القرى أن تشتمونا
أي أن لا تشتمونا بالبخل ، وهذا تأويل الكوفيين ، وتأوّل البصريون الآية والبيت ونظائرهما على تقدير مضاف يدلّ عليه السياق هو المفعول لأجله ، أي كراهة أن تضلّوا ، وبذلك قدّرها في « الكشاف » . وقد جعل بعض المفسّرين
أَنْ تَضِلُّوا
مفعولا به ل ( يبيّن ) وقال : المعنى أنّ اللّه فيما بيّنه من الفرائض قد بيّن لكم ضلالكم الذي كنتم عليه في الجاهلية ، وهذا بعيد ؛ إذ ليس ما فعلوه في الجاهلية ضلالا قبل مجيء الشريعة ، لأنّ قسمة المال ليست من الأفعال المشتملة على صفة حسن وقبيح بيّنه إلّا إذا كان فيها حرمان لمن هو حقيق بالمؤاساة والمبرّة ، ولأنّ المصدر مع ( أن ) يتعيّن أن يكون بمعنى المستقبل ، فكيف يصحّ أن يراد ب
أَنْ تَضِلُّوا
ضلالا قد مضى ، وسيجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى :
أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا
في سورة الأنعام [ 156 ] . وعن عمر أنّه كان إذا قرأ هذه الآية يقول : « اللّهمّ من بيّنت له الكلالة فلم تبيّن لي » . رواه الطبري ، وفي سنده انقطاع ، وقد ضعّفوه . وقوله :
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
تذييل . وفي هذه الآية إيذان بختم الكلام ، كقوله :
هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ
[ إبراهيم : 52 ] الآية ، وكقوله تعالى في حكاية كلام صاحب