تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
هذا إغراق في كذا . ومن بديع مناسبته هنا أنّ الضلال الحقيقي يكون في الفيافي والموامي ، فإذا اشتدّ التيه والضلال بعد صاحبه عن المعمور ، فكان في وصفه بالبعيد تعاهد للحقيقة ، وإيماء إلى أنّ في إطلاقه على الكفر والجهل نقلا عرفيا . [ 168 ، 169 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 168 إلى 169 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) الجملة بيان لجملة
قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً
[ النساء : 167 ] ، لأنّ السامع يترقّب معرفة جزاء هذا الضلال فبيّنته هذه الجملة . وإعادة الموصول وصلته دون أن يذكر ضميرهم لتبنى عليه صلة
وَظَلَمُوا
، ولأنّ في تكرير الصّلة تنديدا عليهم . ويجيء على الوجهين في المراد من الذين كفروا في الآية الّتي قبلها أن يكون عطف الظلم على الكفر في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا
إمّا أن يراد به ظلم النّفس ، وظلم النبي والمسلمين ، وذلك اللائق بأهل الكتاب ؛ وإمّا أن يراد به الشرك ، كما هو شائع في استعمال القرآن كقوله :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] ، فيكون من عطف الأخصّ على الأعمّ في الأنواع ؛ وإمّا أن يراد به التعدّي على النّاس ، كظلمهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بإخراجه من أرضه ، وتأليب النّاس عليه ، وغير ذلك ، وظلمهم المؤمنين بتعذيبهم في اللّه ، وإخراجهم ، ومصادرتهم في أموالهم ، ومعاملتهم بالنفاق والسخريّة والخداع ؛ وإمّا أن يراد به ارتكاب المفاسد والجرائم ممّا استقرّ عند أهل العقول أنّه ظلم وعدوان . وقوله :
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
صيغة جحود ، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى :
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ
في سورة آل عمران [ 79 ] ، فهي تقتضي تحقيق النفي ، وقد نفي عن اللّه أن يغفر لهم تحذيرا من البقاء على الكفر والظلم ، لأنّ هذا الحكم نيط بالوصف ولم ينط بأشخاص معروفين ، فإن هم أقلعوا عن الكفر والظلم لم يكونوا من الّذين كفروا وظلموا . ومعنى نفي أن يهديهم طريقا : إن كان طريقا يوم القيامة فهو واضح : أي لا يهديهم طريقا بوصلهم إلى مكان إلّا طريقا يوصل إلى جهنّم . ويجوز أن يراد من الطريق الآيات في الدنيا ، كقوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] . فنفي هديهم إليه إنذار بأنّ الكفر والظلم من شأنهما أن يخيّما على القلب بغشاوة تمنعه من وصول الهدي إليه ، ليحذر المتلبّس بالكفر والظلم من التوغّل فيهما ، فلعلّه أن يصبح ولا