تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
بالإيمان مفرّعا على هاته الجمل بقوله :
فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ
. وانتصب
خَيْراً
على تعلّقه بمحذوف لازم الحذف في كلامهم لكثرة الاستعمال ، فجرى مجرى الأمثال ، وذلك فيما دلّ على الأمر والنهي من الكلام نحو
انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ
[ النساء : 171 ] ، ووراءك أوسع لك ، أي تأخّر ، وحسبك خيرا لك ، وقول عمر بن أبي ربيعة :
فواعديه سرحتي مالك * أو الرّبا بينهما . أسهلا
فنصبه ممّا لم يختلف فيه عن العرب ، واتّفق عليه أئمّة النحو ، وإنّما اختلفوا في المحذوف : فجعله الخليل وسيبويه فعلا أمرا مدلولا عليه من سياق الكلام ، تقديره : ايت أو اقصد ، قالا : لأنّك لمّا قلت له : انته ، أو افعل ، أو حسبك ، فأنت تحمله على شيء آخر أفضل له . وقال الفرّاء من الكوفيّين : هو في مثله صفة مصدر محذوف ، وهو لا يتأتّى فيما كان منتصبا بعد نهي ، ولا فيما كان منتصبا بعد غير متصرّف ، نحو : وراءك وحسبك . وقال الكسائي والكوفيّون : نصب بكان محذوفة مع خبرها ، والتقدير : يكن خيرا . وعندي : أنّه منصوب على الحال من المصدر الذي تضمّنه الفعل ، وحده ، أو مع حرف النهي ، والتقدير : فآمنوا حال كون الإيمان خيرا ، وحسبك حال كون الاكتفاء خيرا ، ولا تفعل كذا حال كون الانتهاء خيرا . وعود الحال إلى مصدر الفعل في مثله كعود الضمير إليه في قوله :
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ المائدة : 8 ] ، لا سيما وقد جرى هذا مجرى الأمثال ، وشأن الأمثال قوّة الإيجاز . وقد قال بذلك بعض الكوفيين وأبو البقاء . وقوله
وَإِنْ تَكْفُرُوا
أريد به أن تبقوا على كفركم . وقوله :
فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هو دليل على جواب الشرط ، والجواب محذوف لأنّ التقدير : إن تكفروا فإنّ اللّه غنيّ عن إيمانكم لأنّ للّه ما في السماوات وما في الأرض ، وصرّح بما حذف هنا في سورة الزمر [ 7 ] في قوله تعالى :
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
وفيه تعريض بالمخاطبين ، أي أنّ كفركم لا يفلتكم من عقابه ، لأنّكم عبيده ، لأنّ له ما في السماوات وما في الأرض . [ 171 ]