تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
وصف الحكيم لأنّ إجراء عزّته على هذا التمام هو أيضا من ضروب الحكمة الباهرة . [ 166 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 166 ]

لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) هذا استدراك على معنى أثاره الكلام : لأنّ ما تقدّم من قوله :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ
[ النساء : 153 ] مسوق مساق بيان تعنّتهم ومكابرتهم عن أن يشهدوا بصدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحّة نسبة القرآن إلى اللّه تعالى ، فكان هذا المعنى يستلزم أنّهم يأبون من الشهادة بصدق الرسول ، وأنّ ذلك يحزن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فجاء الاستدراك بقوله :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
. فإنّ الاستدراك تعقيب الكلام برفع ما يتوهّم ثبوته أو نفيه . والمعنى : لم يشهد أهل الكتاب لكن اللّه شهد وشهادة اللّه خير من شهادتهم . وقد مضى عند قوله تعالى :
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
في سورة البقرة [ 282 ] ، أنّ حقيقة الشهادة إخبار لتصديق مخبر ، وتكذيب مخبر آخر . وتقدّم أنّها تطلق على الخبر المحقّق الذي لا يتطرّقه الشكّ عند قوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
في سورة آل عمران [ 18 ] . فالشهادة في قوله :
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
أطلقت على الإخبار بنزول القرآن من اللّه إطلاقا مجازيا ، لأنّ هذا الخبر تضمّن تصديق الرسول وتكذيب معانديه ، وهو إطلاق على وجه الاستعارة من الإطلاق الحقيقي هو غير الإطلاق الذي في قوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] فإنّه على طريقة المجاز المرسل . وعطف شهادة الملائكة على شهادة اللّه : لزيادة تقرير هذه الشهادة بتعدّد الشهود ، ولأنّ شهادة اللّه مجاز في العلم وشهادة الملائكة حقيقة . وإظهار فعل
يَشْهَدُونَ
مع وجود حرف العطف للتّأكيد . وحرف ( لكن ) بسكون النون مخفّف لكنّ المشدّدة النون التي هي من أخوات ( إنّ ) وإذا خفّفت بطل عملها . وقوله :
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
يجري على الاحتمالين . وقوله :
بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
وقع تحويل في تركيب الجملة لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل ، ليكون أوقع في النفس . وأصل الكلام : يشهد بإنزال ما أنزله إليك بعلمه ؛ لأنّ قوله :
بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ
لم يفد المشهود به إلّا ضمنا مع المشهود فيه إذ جيء باسم الموصول ليوصل بصلة فيها إيماء إلى المقصود ، ومع ذلك لم يذكر المقصود من الشهادة الذي هو حقّ مدخول الباء بعد مادّة شهد ، فتكون جملة
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
مكمّلة معنى الشهادة . وهذا قريب من التحويل الذي يستعمله العرب في تمييز النسبة . وقال
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 325 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور