تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
غير الإسرائيليّين كما في الإصحاح 23 من سفر التثنية « لا تقرض أخاك بربا ربا فضّة أو ربا طعام أو ربا شيء ما ممّا يقرض بربا . للأجنبي تقرض بربا » . والربا محرّم عليهم بنصّ التوراة في سفر الخروج في الإصحاح 22 « أن أقرضت فضّة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا » وأكلهم أموال النّاس بالباطل أعمّ من الربا فيشمل الرشوة المحرّمة عندهم ، وأخذهم الفداء على الأسرى من قومهم ، وغير ذلك . والاستدراك بقوله :
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
إلخ ناشئ على ما يوهمه الكلام السابق ابتداء من قوله :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ
[ النساء : 153 ] من توغّلهم في الضلالة حتّى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح ، فاستدرك بأنّ الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهّم ، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد اللّه بن سلام ومخيريق . والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي ، لا يتزلزل ؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه . وقد تقدّم عند قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
في سورة آل عمران [ 7 ] . والرّاسخ في العلم بعيد عن التكلّف وعن التعنّت ، فليس بينه وبين الحقّ حاجب ، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات . وعطف
الْمُؤْمِنُونَ
على
الرَّاسِخُونَ
ثناء عليهم بأنّهم لم يسألوا نبيّهم أن يريهم الآيات الخوارق للعادة . فلذلك قال
يُؤْمِنُونَ
، أي جميعهم بما أنزل إليك ، أي القرآن ، وكفاهم به آية ، وما أنزل من قبلك على الرسل ، ولا يعادون رسل اللّه تعصّبا وحميّة . والمراد بالمؤمنين في قوله :
وَالْمُؤْمِنُونَ
الذين هداهم اللّه للإيمان من أهل الكتاب ، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم ، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآمن به . وعطف
الْمُقِيمِينَ
بالنصب ثبت في المصحف الإمام ، وقرأه المسلمون في الأقطار دون نكير ؛ فعلمنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامد ، على أمثالها ، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح ، والرفع على الاستئناف للاهتمام ، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة ، سواء كانت بدون عطف أم بعطف ، كقوله تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
- إلى قوله -
وَالصَّابِرِينَ
[ البقرة : 177 ] . قال سيبويه في « كتابه » « باب ما ينتصب في التعظيم والمدح وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول ، وإن شئت قطعته فابتدأته » . وذكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال : « فلو