تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها * ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا
فالمصابرة هي سبب نجاح الحرب كما قال شاعر العرب الذي لم يعرف اسمه :
لا أنت معتاد في الهيجا مصابرة * يصلى بها كلّ من عاداك نيرانا
وقوله :
وَرابِطُوا
أمر لهم بالمرابطة ، وهي مفاعلة من الرّبط ، وهو ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدوّ ، أمر اللّه به المسلمين ليكونوا دائما على حذر من عدوّهم تنبيها لهم على ما يكيد به المشركون من مفاجأتهم على غرّة بعد وقعة أحد كما قدّمناه آنفا ، وقد وقع ذلك منهم في وقعة الأحزاب فلمّا أمرهم اللّه بالجهاد أمرهم بأن يكونوا بعد ذلك أيقاظا من عدوّهم . وفي كتاب الجهاد من « البخاري » : باب فضل رباط يوم في سبيل اللّه وقول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا
إلخ . وكانت المرابطة معروفة في الجاهلية وهي ربط الفرس للحراسة في الثغور أي الجهات التي يستطيع العدوّ الوصول منها إلى الحيّ مثل الشعاب بين الجبال . وما رأيت من وصف ذلك مثل لبيد في معلّقته إذ قال :
ولقد حميت الحيّ تحمل شكّتي * فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
فعلوت مرتقبا على ذي هبوة * حرج إلى إعلامهن قتامها
حتّى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
فذكر أنّه حرس الحيّ على مكان مرتقب ، أي عال بربط فرسه في الثغر . وكان المسلمون يرابطون في ثغور بلاد فارس والشام والأندلس في البرّ ، ثم لمّا اتّسع سلطان الإسلام وامتلكوا البحار صار الرباط في ثغور البخار وهي الشطوط التي يخشى نزول العدوّ منها : مثل رباط المنستير بتونس بإفريقية ، ورباط سلا بالمغرب ، وربط تونس ومحارسها : مثل محرس علي بن سالم قرب صفاقس . فأمر اللّه بالرباط كما أمر بالجهاد بهذا المعنى وقد خفي على بعض المفسّرين فقال بعضهم : أراد بقوله :
وَرابِطُوا
إعداد الخيل مربوطة للجهاد ، قال : ولم يكن في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم غزو في الثغور . وقال بعضهم : أراد بقوله :
وَرابِطُوا
انتظار الصلاة بعد الفراغ من التي قبلها ، لما روى مالك في « الموطأ » ، عن أبي هريرة : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقال : « فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط » . ونسب هذا لأبي سلمة بن عبد الرحمن . قال ابن عطية : والحقّ أن معنى هذا الحديث على التشبيه ، كقوله : « ليس الشديد بالصرعة » وقوله : « ليس المسكين بهذا الطّواف الذي تردّه اللقمة واللقمتان » ، أي وكقوله صلى اللّه عليه وسلم : « رجعنا من