لاقوه من سوء معاملة المشركين ، ثم هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلّهم ، لما لاقوه من أذى المشركين . ولا يوجد ما يدلّ على أنّ المشركين أخرجوا المسلمين ، وكيف واختفاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدلّ على حرص المشركين على صدّه عن الخروج ، ويدلّ لذلك أيضا قول كعب :
في فتية من قريش قال قائلهم * ببطن مكّة لمّا أسلموا زولوا
أي قال قائل من المسلمين اخرجوا من مكّة ، وعليه فكلّ ما ورد ممّا فيه أنّهم أخرجوا من ديارهم بغير حقّ فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج ، ومنه قول ورقة ابن نوفل :
« يا ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك » ،
وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم له : « أو مخرجيّ هم ؟ فقال : ما جاء نبيء بمثل ما جئت به إلّا عودي »
. وقوله :
وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي
أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل . وفهم منه أنّ من أصابهم الضرّ أولى بالثواب وأوفى .
وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها .
وقوله :
وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا
جمع بينهما للإشارة إلى أنّ للقسمين ثوابا . وقرأ الجمهور : وقاتلوا وقتلوا . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف : وقتلوا وقاتلوا - عكس قراءة الجمهور - ومآل القراءتين واحد ، وهذه حالة تصدق على المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا . وقوله :
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
إلخ مؤكّد بلام القسم .
وتكفير السيّئات تقدّم آنفا .
[ 196 - 198 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 196 إلى 198 ]
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 197 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ( 198 )
اعتراض في أثناء هذه الخاتمة ، نشأ عن قوله :
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ
[ آل عمران : 195 ] باعتبار ما يتضمّنه عدم إضاعة العمل من الجزاء عليه جزاء كاملا في الدنيا والآخرة ، وما يستلزمه ذلك من حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون ، وهم المراد بالذين كفروا كما هو مصطلح القرّاء .
والخطاب لغير معيّن ممّن يتوهّم أن يغرّه حسن حال المشركين في الدنيا .
والغرّ والغرور : الإطماع في أمر محبوب على نيّة عدم وقوعه ، أو إظهار الأمر المضرّ في صورة النافع ، وهو مشتقّ من الغرّة - بكسر الغين - وهي الغفلة ، ورجل غرّ -