تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 199 ]

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 199 ) عطف على جملة
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
[ آل عمران : 198 ] استكمالا لذكر الفرق في تلقّي الإسلام : فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة ، وأثنى اللّه عليهم بأنّهم لا يحرّفون الدين ، والآية مؤذنة بأنّهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنّهم لو عرفوا بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنّهم من أهل الكتاب ، وهذا الصنف بعكس حال المنافين . وأكّد الخبر بأنّ وبلام الابتداء للردّ على المنافقين الذين قالوا لرسول اللّه لمّا صلّى على النجاشي : انظروا إليه يصلّي على نصراني ليس على دينه ولم يره قط . على ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية . ولعلّ وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أحد . وقيل : أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد اللّه بن سلام ومخيريق ، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول اللّه بمكّة إن صحّ خبر إسلامهم . وجيء باسم الإشارة في قوله :
أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
للتنبيه على أنّ المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدّم اسم الإشارة . وأشار بقوله :
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
إلى أنّه يبادر لهم بأجرهم في الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة . [ 200 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 200 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 ) ختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدّد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدوّ كيلا يثبّطهم ما حصل من الهزيمة ، فأمرهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال ، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر ، وهذا أشدّ الصبر ثباتا في النفس وأقربه إلى التزلزل ، ذلك أنّ الصبر في وجه صابر آخر شديد على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة قرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه ، ثم إنّ هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتّى يملّ قرنه فإنّه لا يجتني من صبره شيئا ، لأنّ نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبرا ، كما قال زفر بن الحارث في اعتذاره عن الانهزام :