تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
[ 173 - 175 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 173 إلى 175 ]

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) يجوز أن يكون
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
إلى آخره ، بدلا من
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ
[ آل عمران : 172 ] ، أو صفة له ، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 171 ] على طريقة ترك العطف في الأخبار . وإنّما جيء بإعادة الموصول ، دون أن تعطف الصلة على الصلة ، اهتماما بشأن هذه الصلة الثانية حتّى لا تكون كجزء صلة ، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنف ، فيكون مبتدأ وخبره قوله :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
[ آل عمران : 175 ] أي ذلك القول ، كما سيأتي . وهذا تخلّص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم اللّه به بأس عدوّهم بعد يوم أحد بعام ، إنجازا لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال : موعدكم بدر في العام القابل ، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل ، وكاد للمسلمين ليظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين ، فجاعل ركبا من عبد القيس مارين بمرّ الظّهران قرب مكّة قاصدين المدينة للميرة ، أن يخبروا المسلمين بأنّ قريشا جمعوا لهم جيشا عظيما ، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي ، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعدادا وحميّة للدين ، وخرجوا إلى الموعد وهو بدر ، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك ، وكانت هنالك سوق فاتّجروا ورجعوا سالمين غير مذمومين ، فذلك قوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
أي الركب العبديون
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
أي إنّ قريشا قد جمعوا لكم . وحذف مفعول
جَمَعُوا
أي جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول . وقال بعض المفسّرين وأهل العربية : إنّ لفظ الناس هنا أطلق على نعيم بن مسعود وأبي سفيان ، وجعلوه شاهدا على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله ، وإطلاق لفظ الناس مرادا به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام ، ومنه قوله تعالى :
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ النساء : 54 ] قال المفسّرون : يعني ب ( الناس ) محمدا صلى اللّه عليه وسلم . وقوله :
فَزادَهُمْ إِيماناً
أي زادهم قول الناس ، فضمير الرفع المستتر في