تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
المناسبة . والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله . و
الْوَكِيلُ
فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه . يقال : وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها ، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشئونه بنفسه : رجل وكل - بفتحتين - أي كثير الاعتماد على غيره ، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله ، وهذا القيام بشأن الموكّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها ، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل ، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع
قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
[ الأنعام : 66 ] ، ومنه
فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
[ النساء : 109 ] . ومنه الوكيل في الخصومة ، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه :
أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
[ الإسراء : 2 ] كما قال :
قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
[ النحل : 91 ] ولذلك كان من أسمائه تعالى : الوكيل ، وقوله :
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
ومنه الوكيل على المال ، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضا اسم الكفيل في قوله تعالى :
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
. وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
في سورة الأنعام [ 102 ] ، فقال : وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال . وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها ، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات . وقوله :
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولهم : حسبنا اللّه ونعم الوكيل ، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل
فَانْقَلَبُوا
، لأنّ الانقلاب يقتضي أنّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لهم ولم يعبئوا بتخويف الشيطان ، والتقدير : فخرجوا فانقلبوا بنعمة من اللّه . والباء للملابسة أي ملابسين لنعمة وفضل من اللّه . فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال ، والفضل فضل الجهاد . ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حربا مع المشركين . وجملة
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
إمّا استئناف بياني إن جعلت قوله :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
بدلا أو صفة كما تقدّم ، وإمّا خبر عن
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
إن جعلت قوله :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
مبتدأ ، والتقدير : الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به . ورابط هذه الجملة بالمبتدإ ، وهو
« الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ »
على هذا التقدير ، هو اسم الإشارة ، واسم الإشارة مبتدأ .