تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] ولا ما صرّح فيه بجهل وقته كقوله :
لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً
[ الأعراف : 187 ] . وليس من المتشابه ما دلّ على معنى يعارض الحمل عليه دليل آخر ، منفصل عنه ؛ لأنّ ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين ، أو ترجيح أحدهما على الآخر ، مثل قوله تعالى خطابا لإبليس :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
الآية في سورة الإسراء [ 64 ] مع ما في الآيات المقتضية
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
[ الزمر : 7 ] إنه لا يحبّ الفساد . وقد علمتم من هذا أنّ ملاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة : إمّا لضيقها عن المعاني ، وإمّا لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى ، وإمّا لتناسي بعض اللغة ، فيتبيّن لك أنّ الإحكام والتشابه : صفتان للألفاظ ، باعتبار فهم المعاني . وإنّما أخبر عن ضمير آيات محكمات ، وهو ضمير جمع ، باسم مفرد ليس دالا على أجزاء وهو
أُمُّ
لأنّ المراد أنّ صنف الآيات المحكمات يتنزّل من الكتاب منزلة أمّه أي أصله ومرجعه الذي يرجّع إليه في فهم الكتاب ومقاصده . والمعنى : هنّ كأمّ للكتاب . ويعلم منه أنّ كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمّنه من المعنى . وهذا كقول النابغة يذكر بني أسد : فهم درعي التي استلأمت فيها أي مجموعهم كالدّرع لي ، ويعلم منه أنّ كلّ أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع . ومن هذا المعنى قوله تعالى :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] . والكلام على ( أخر ) تقدّم عند قوله تعالى :
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
[ البقرة : 184 ] .
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
. تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق ؛ لأنّه لما قسّم الكتاب إلى محكم ومتشابه ، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني ، تشوّفت النفس إلى معرفة تلقّي الناس للمتشابه . أمّا المحكم فتلقّي الناس له على طريقة واحدة ، فلا حاجة إلى تفصيل فيه ، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه : وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقّيهم للمتشابهات ؛ لأنّ بيان هذا هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام ، وهو كشف شبهة الذين غرّتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حقّ تأويلها ، ويعرف حال قسيمهم وهم