تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
قابلية بعضهم في عصر ، أو جهة ، لفهمها بالكنة ومن هذا أحوال القيامة ، وبعض شؤون الربوبية كالإتيان في ظلل من الغمام ، والرؤية ، والكلام ، ونحو ذلك . وثانيتها : معان قصد إشعار المسلمين بها ، وتعيّن إجمالها ، مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات : كحروف أوائل السور ، ونحو
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ]
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ *
[ البقرة : 29 ] « 1 » . ثالثتها : معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها ، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرّب معانيها إلى الأفهام ، وهذا مثل أكثر صفات اللّه نحو الرحمن ، الرؤوف ، المتكبّر ، نور السماوات والأرض . رابعتها : معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنيّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي ، نحو قوله :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[ يس : 38 ]
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[ الحجر : 22 ]
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ
[ الزمر : 5 ]
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
[ النمل : 88 ]
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
[ المؤمنون : 20 ]
زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[ النور : 35 ]
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[ هود : 7 ]
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[ فصلت : 11 ] وذكر سدّ يأجوج ومأجوج « 2 » . خامستها : مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلّا أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب اللّه تعالى : لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية ، وتوقّف فريق في محملها تنزيها ، نحو :
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطور : 48 ]
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
[ الذاريات : 47 ]
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] « 3 » . وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم : قريش
هامش
( 1 ) لعل لفعل استوى خصوصية في اللغة أدركها أهل اللسان يومئذ كان بها أجدر بالدلالة على معنى تمكن الخالق من مخلوقه ولذلك اختير في الآيتين دون فعل غلب أو تمكن . ( 2 ) هذه الآيات دلت على معان عظيمة كشفتها العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخية والجغرافية وتفصيلها يحتاج إلى تطويل . ( 3 ) إذ تطلق العين على الحفظ والعناية قال النابغة - عهدتك ترعاني بعين بصيرة - وتطلق اليد على القدرة والقوة قال :وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ. ويطلق الوجه على الذات تقول : فعلته لوجه زيد .