تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
الهداية الناشئة عن عناية اللّه بالعبد ولطفه به ، وإسنادها إلى اللّه ظاهر ؛ وإما الهداية الناشئة عن إعمال الأدلة والاستنتاج منها ، وإسنادها إلى اللّه لأنّه موجد الأسباب ومسبّباتها . ويجوز أن يكون الاستفهام مستعملا في الاستبعاد ، فإنهم آمنوا وعلموا ما في كتب اللّه ، ثمّ كفروا بعد ذلك بأنبيائهم ، إذ عبد اليهود الأصنام غير مرة ، وعبد النصارى المسيح ، وقد شهدوا أنّ محمدا صادق لقيام دلائل الصدق ، ثم كابروا ، وشككوا الناس . وجاءتهم الآيات فلم يتعظوا ، فلا مطمع في هديهم بعد هذه الأحوال ، وإنما تسري الهداية لمن أنصف وتهيّأ لإدراك الآيات دون القوم الذين ظلموا أنفسهم . وقيل نزلت في اليهود خاصّة . وقيل نزلت في جماعة من العرب أسلموا ثم كفروا ولحقوا بقريش ثم ندموا فراسلوا قومهم من المسلمين يسألونهم هل من توبة فنزلت ، ومنهم الحارث بن سويد ، وأبو عامر الراهب ، وطعيمة بن أبيرق . وقوله :
وَشَهِدُوا
عطف على
إِيمانِهِمْ
أي وشهادتهم ، لأنّ الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق يحسن عطفه على الفعل وعطف الفعل عليه . [ 87 ، 89 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 87 إلى 89 ]

أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم عليهم . وتقدم معنى
لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
- إلى قوله -
أَجْمَعِينَ
في سورة البقرة [ 161 ] . وتقدم أيضا معنى
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا
في سورة البقرة [ 160 ] ، ومعنى
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الكناية عن المغفرة لهم . قيل نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري من بني عمرو بن عوف الذي ارتدّ ولحق بقريش وقيل بنصارى الشام ، ثم كتب إلى قومه ليسألهم هل من توبة ، فسألوا رسول اللّه فنزلت هذه الآية فأسلم ورجع إلى المدينة وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
علة لكلام محذوف تقديره اللّه يغفر لهم لأنه غفور رحيم . [ 90 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 90 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) قال قتادة ، وعطاء ، والحسن : نزلت هذه الآية في اليهود ، وعليه فالموصول بمعنى لام العهد ، فاليهود بعد أن آمنوا بموسى كفروا بعيسى وازدادوا كفرا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 148 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور