تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 84 ]

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 ) المخاطب بفعل قل هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ليقول ذلك بمسمع من الناس : مسلمهم ، وكافرهم ، ولذلك جاء في هذه الآية قوله :
وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا
أي أنزل عليّ لتبليغكم فجعل إنزاله على الرسول والأمة لاشتراكهم في وجوب العمل بما أنزل ، وعدّى فعل ( أنزل ) هنا بحرف ( على ) باعتبار أنّ الإنزال يقتضي علوّا فوصول الشيء المنزل وصول استعلاء وعدّي في آية سورة البقرة بحرف ( إلى ) باعتبار أنّ الإنزال يتضمن الوصول وهو يتعدّى بحرف ( إلى ) . والجملة اعتراض . واستئناف : لتلقين النبي عليه السلام والمسلمين كلاما جامعا لمعنى الإسلام ليدوموا عليه ، ويعلن به للأمم ، نشأ عن قوله :
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
[ آل عمران : 83 ] . ومعنى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
أننا لا نعادي الأنبياء ، ولا يحملنا حبّ نبيئنا على كراهتهم ، وهذا تعريض باليهود والنصارى ، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر ، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة . وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال اللّه تعالى :
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ
[ آل عمران : 119 ] . وهنا انتهت المجادلة مع نصارى نجران . [ 85 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 85 ]

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 85 ) عطف على جملة
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
وما بينهما اعتراض ، كما علمت ، وهذا تأييس لأهل الكتاب من النجاة في الآخرة ، وردّ لقولهم : نحن على ملة إبراهيم ، فنحن ناجون على كلّ حال . والمعنى من يبتغ غير الإسلام بعد مجيء الإسلام . وقرأه الجميع بإظهار حرفي الغين من كلمة
مَنْ يَبْتَغِ
وكلمة
غَيْرَ
وروى السوسي عن أبي عمرو إدغام إحداهما في الأخرى وهو الإدغام الكبير . [ 86 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 86 ]

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) استئناف ابتدائي يناسب ما سبقه من التنويه بشرف الإسلام . ( وكيف ) استفهام إنكاري والمقصود إنكار أن تحصل لهم هداية خاصة وهي إما