تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وقرأ نافع ، وأبو جعفر : آتينكم - بنون العظمة - وقرأه الباقون
آتَيْتُكُمْ
بتاء المتكلم . وجملة قال :
أَ أَقْرَرْتُمْ
بدل اشتمال من جملة
أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
. والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق . والإصر : بكسر الهمزة ، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به ، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى :
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
في سورة البقرة [ 286 ] . وقوله :
فَاشْهَدُوا
إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله :
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
كقوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك ، واللّه شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم . وقوله :
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ
أي من تولّى ممن شهدتم عليهم ، وهم الأمم ، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة المائدة [ 12 ] :
فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
. ووجه الحصر في قوله :
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدم . [ 83 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 83 ]

أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) تفريع عن التذكير بما كان عليه الأنبياء . والاستفهام للتوبيخ والتحذير . وقرأه الجمهور تبغون بتاء الخطاب فهو خطاب لأهل الكتاب جار على طريقة الخطاب في قوله آنفا :
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ
[ آل عمران : 80 ] وقرأه أبو عمرو ، وحفص ، ويعقوب : بياء الغيبة فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إعراضا عن مخاطبتهم إلى مخاطبة المسلمين بالتعجيب من أهل الكتاب . وكله تفريع ذكر أحوال خلف أولئك الأمم كيف اتبعوا غير ما أخذ عليهم العهد به . والاستفهام حينئذ للتعجيب .