تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ
[ غافر : 73 ]
مِنْ دُونِ اللَّهِ
إلى آخر الآيات . فقوله :
فِي الْحَمِيمِ
متصل بقوله :
يُسْحَبُونَ
وقوله :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
متّصل بقوله
تُشْرِكُونَ
. وينبغي الوقف عند نهاية كلّ آية منها . وقوله تعالى :
وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
آية . وقوله :
مِنْ دُونِهِ
ابتداء الآية بعدها في سورة هود [ 54 ] . ألا ترى أن من الإضاعة لدقائق الشعر أن يلقيه ملقيه على مسامع الناس دون وقف عند قوافيه فإنّ ذلك إضاعة لجهود الشعراء ، وتغطية على محاسن الشعر ، وإلحاق للشعر بالنثر . وإنّ الفاء السجع دون وقوف عند أسجاعه هو كذلك لا محالة . ومن السذاجة أن ينصرف ملقي الكلام عن محافظة هذه الدقائق فيكون مضيعا لأمر نفيس أجهد فيه قائله نفسه وعنايته . والعلّة بأنّه يريد أن يبين للسامعين معاني الكلام ، فضول ، فإن البيان وظيفة ملقي درس لا وظيفة منشد الشعر ، ولو كان هو الشاعر نفسه . وفي « الإتقان » عن أبي عمرو قال بعضهم : الوقف على رؤوس الآي سنة . وفيه عن البيهقي في « شعب الإيمان » : الأفضل الوقف على رؤوس الآيات وإن تعلّقت بما بعدها اتّباعا لهدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسنته ، وفي « سنن أبي داود » عن أم سلمة أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأ قطّع قراءته آية آية يقول :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
. ثم يقف :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. ثم يقف :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة : 1 - 3 ] ثم يقف . على أن وراء هذا وجوب اتّباع المأثور من تحديد الآي كما قال ابن العربي والزمخشري ولكن ذلك لا يصدنا عن محاولة ضوابط تنفع الناظر وإن شذّ عنها ما شذّ . ألا ترى أنّ بعض الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور قد عدّ بعضها آيات مثل : ألم ، المص ، كهيعص ، عسق ، طسم ، يس ، حم ، طه . ولم تعد : الر ، المر ، طس ، ص ، ق ، ن ، آيات . وآيات القرآن متفاوتة في مقادير كلماتها فبعضها أطول من بعض ولذلك فتقدير الزمان بها في قولهم مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية مثلا ، تقدير تقريبي ، وتفاوت الآيات في الطول تابع لما يقتضيه مقام البلاغة من مواقع كلمات الفواصل على حسب ما قبلها من الكلام . وأطول آية قوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
إلى قوله :
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 75 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور