تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وأما الكتاب فأصله اسم جنس مطلق ومعهود . وباعتبار عهده أطلق على القرآن كثيرا قال تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
[ البقرة : 2 ] ، وقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ
[ الكهف : 1 ] وإنما سمي كتابا لأن اللّه جعله جامعا للشريعة فأشبه التوراة لأنها كانت مكتوبة في زمن الرسول المرسل بها ، وأشبه الإنجيل الذي لم يكتب في زمن الرسول الذي أرسل به ولكنه كتبه بعض أصحابه وأصحابهم ، وأن اللّه أمر رسوله أن يكتب كلّ ما أنزل عليه منه ليكون حجة على الذين يدخلون في الإسلام ولم يتلقوه بحفظ قلوبهم . وفي هذه التسمية معجزة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن ما أوحى إليه سيكتب في المصاحف قال تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها
[ الأنعام : 92 ] ، وقال :
وَهذا ذِكْرٌ
« 1 »
مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
[ الأنبياء : 50 ] وغير ذلك ، ولذلك اتخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أصحابه كتابا يكتبون ما أنزل إليه ومن أول ما ابتدئ نزوله ، ومن أولهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان . وقد وجد جميع ما حفظه المسلمون في قلوبهم على قدر ما وجدوه مكتوبا يوم أمر أبو بكر بكتابة المصحف . وأما الذكر فقال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] أي لتبينه للناس ، وذلك أنه تذكير بما يجب على الناس اعتقاده والعمل به . وأما الوحي فقال تعالى :
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ
[ الأنبياء : 45 ] ووجه هذه التسمية أنه ألقي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بواسطة الملك وذلك الإلقاء يسمى وحيا لأنه يترجم عن مراد اللّه تعالى فهو كالكلام المترجم عن مراد الإنسان ، ولأنه لم يكن تأليف تراكيبه من فعل البشر . وأما كلام اللّه فقال تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ] . واعلم أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما أمر بجمع القرآن وكتابته كتبوه على الورق فقال للصحابة : التمسوا اسما ، فقال بعضهم سمّوه إنجيلا فكرهوا ذلك من أجل النصارى ، وقال بعضهم سمّوه السّفر فكرهوه من أجل أن اليهود يسمون التوراة السّفر ، فقال عبد اللّه بن مسعود : رأيت بالحبشة كتابا يدعونه المصحف فسمّوه مصحفا ( يعني أنه رأى كتابا غير الإنجيل ) .
هامش
( 1 ) في المطبوعة ( كتاب ) .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 72 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور