تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 724

مساهمون:

ص٧٢٤
بقوله :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
[ البقرة : 136 ] إلى قوله :
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
[ البقرة : 136 ] أي إن كان إيمانكم حاصلا بصبغة القسيس فإيماننا بصبغ اللّه وتلوينه أي تكييفه الإيمان في الفطرة مع إرشاده إليه ، فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة علاقتها المشابهة وهي مشابهة خفية حسنها قصد المشاكلة ، والمشاكلة من المحسنات البديعية ومرجعها إلى الاستعارة وإنما قصد المشاكلة باعث على الاستعارة ، وإنما سماها العلماء المشاكلة لخفاء وجه التشبيه فأغفلوا أن يسموها استعارة وسموها المشاكلة ، وإنما هي الإتيان بالاستعارة لداعي مشاكلة لفظ للفظ وقع معه . فإن كان اللفظ المقصود مشاكلته مذكورا فهي المشاكلة ، ولنا أن نصفها بالمشاكلة التحقيقية كقول ابن الرّقعمق « 1 » :
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا
استعار الطبخ للخياطة لمشاكلة قوله نجد لك طبخه ، وإن كان اللفظ غير مذكور بل معلوما من السياق سميت مشاكلة تقديرية كقول أبي تمام :
من مبلغ أفناء يعرب كلها * أني بنيت الجار قبل المنزل
استعار البناء للاصطفاء والاختيار لأنه شاكل به بناء المنزل المقدر في الكلام المعلوم من قوله قبل المنزل ، وقوله تعالى :
صِبْغَةَ اللَّهِ
من هذا القبيل والتقدير في الآية أدق من تقدير بيت أبي تمام وهو مبني على ما هو معلوم من عادة النصارى واليهود بدلالة قوله :
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى
[ البقرة : 135 ] على ما يتضمنه من التعميد . والاستفهام في قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً
إنكاري ومعناه لا أحسن من اللّه في شأن صبغته ، فانتصب ( صبغة ) على التمييز ، تمييز نسبة محول عن مبتدأ ثان يقدر بعد ( من ) في قوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ
والتقدير ومن صبغته أحسن من اللّه أي من صبغة اللّه قال أبو حيان في « البحر المحيط » : وقل ما ذكر النحاة في التمييز المحول عن المبتدأ . وقد تأتي بهذا التحويل في التمييز إيجاز بديع إذ حذف كلمتان بدون لبس فإنه لما أسندت الأحسنية إلى من جاز دخول من التفضيلية على اسم الجلالة بتقدير مضاف لأن
هامش
( 1 ) هو أحمد بن محمد الأنطاكي ويكنى أبا حامد توفي سنة 399 ه وكني أبا الرقعمق ( براء مفتوحة وقاف مفتوحة وعين ساكنة وميم مفتوحة آخره قاف ) ولم أقف على معناه وهو ليس بعربي ولعله لفظ هزلي وقبل هذا البيت قوله :إخواننا قصدوا الصّبوح بسحرة * فأتى رسولهم إليّ خصيصا