تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
مصاحف بعد أن أجمع الناس على مصحف عثمان . قال البغوي في تفسير قوله تعالى :
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ
[ الواقعة : 29 ] عن مجاهد وفي « الكشاف » و « القرطبي » - قرأ علي بن أبي طالب : « وطلح منضود » بعين في موضع الحاء ، وقرأ قارئ بين يديه
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ
فقال : وما شأن الطلح ؟ إنما هو « وطلع » وقرأ
لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ
[ ق : 10 ] فقالوا أفلا نحولها ؟ فقال إن آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول ، أي لا تغير حروفها ولا تحول عن مكانها فهو قد منع من تغيير المصحف ، ومع ذلك لم يترك القراءة التي رواها . وممن نسبت إليهم قراءات مخالفة لمصحف عثمان ، عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ، إلى أن ترك الناس ذلك تدريجا . ذكر الفخر في تفسير قوله تعالى :
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
من سورة النور [ 15 ] أن سفيان قال سمعت أمي تقرأ : « إذ تثقفونه بألسنتكم » وكان أبوها يقرأ بقراءة ابن مسعود ، ومع ذلك فقد شذت مصاحف بقيت مغفولا عنها بأيدي أصحابها ، منها ما ذكره الزمخشري في « الكشاف » في سورة الفتح أن الحارث بن سويد صاحب عبد اللّه بن مسعود كان له مصحف دفنه في مدة الحجاج ، قال في « الكشاف » : لأنه كان مخالفا للمصحف الإمام ، وقد أفرط الزمخشري في توهين بعض القراءات لمخالفتها لما اصطلح عليه النحاة وذلك من إعراضه عن معرفة الأسانيد . من أجل ذلك اتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها في العربية ووافقت خط المصحف - أي مصحف عثمان - وصح سند راويها فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها ، قال أبو بكر ابن العربي : ومعنى ذلك عندي أن تواترها تبع لتواتر المصحف الذي وافقته وما دون ذلك فهو شاذ ، يعني وأن تواتر المصحف ناشئ عن تواتر الألفاظ التي كتبت فيه . قلت : وهذه الشروط الثلاثة هي شروط في قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، بأن كانت صحيحة السند إلى النبي ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهي بمنزلة الحديث الصحيح ، وأما القراءة المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية ، ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه ، ألا ترى أن جمعا من أهل القراءات المتواترة قرءوا قوله تعالى :
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
[ التكوير : 24 ] بظاء مشالة أي بمتهم ، وقد كتبت في المصاحف كلها بالضاد الساقطة .