تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦

المقدمة الرابعة فيما يحق أن يكون غرض المفسر

كأني بكم وقد مر على أسماعكم ووعت ألبابكم ما قررته من استمداد علم التفسير ، ومن صحة تفسير القرآن بغير المأثور ، ومن الإنحاء على من يفسر القرآن بما يدعيه باطنا ينافي مقصود القرآن ، ومن التفرقة بين ذلك وبين الإشارات ، تتطلعون بعد إلى الإفصاح عن غاية المفسر من التفسير ، وعن معرفة المقاصد التي نزل القرآن لبيانها حتى تستبين لكم غاية المفسرين من التفسير على اختلاف طرائقهم ، وحتى تعلموا عند مطالعة التفاسير مقادير اتصال ما تشتمل عليه ، بالغاية التي يرمي إليها المفسر فتزنوا بذلك مقدار ما أوفى به من المقصد ، ومقدار ما تجاوزه ، ثم ينعطف القول إلى التفرقة بين من يفسر القرآن بما يخرج عن الأغراض المرادة منه ، وبين من يفصل معانيه تفصيلا ، ثم ينعطف القول إلى نموذج مما استخرجه العلماء من مستنبطات القرآن في كثير من العلوم . إن القرآن أنزله اللّه تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد اللّه منهم قال اللّه تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
[ النحل : 89 ] فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية ، والجماعية ، والعمرانية ، فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النفس وتزكيتها ، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير ، ثم صلاح السريرة الخاصة ، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة ، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر . وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولا من الصلاح الفردي إذ الأفراد أجزاء المجتمع ، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه ، ومن شيء زائد على ذلك وهو ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية ، وهذا هو علم المعاملات ، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية . وأما الصلاح العمراني فهو أوسع من ذلك إذا هو حفظ نظام العالم الإسلامي ، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع ، ورعي المصالح الكلية الإسلامية ، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها ، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع .