تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
في كتاب من « الإحياء » « 1 » : إذا قلنا في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة » فهذا ظاهره أو إشارته أن القلب بيت وهو مهبط الملائكة ومستقر آثارهم ، والصفات الرديئة كالغضب والشهوة والحسد والحقد والعجب كلاب نابحة في القلب فلا تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ، ونور اللّه لا يقذفه في القلب إلا بواسطة الملائكة ، فقلب كهذا لا يقذف فيه النور . وقال ولست أقوال إن المراد من الحديث بلفظ البيت القلب وبالكلب الصفة المذمومة ولكن أقول هو تنبيه عليه ، وفرق بين تغيير الظاهر وبين التنبيه على البواطن من ذكر الظواهر ا ه فبهذه الدقيقة فارق نزعة الباطنية . ومثل هذا قريب من تفسير لفظ عامّ في آية بخاصّ من جزئياته كما وقع في كتاب المغازي من « صحيح البخاري » عن عمرو بن عطاء في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
[ إبراهيم : 28 ] قال هم كفار قريش ، ومحمد نعمة اللّه :
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
[ إبراهيم : 28 ] قال يوم بدر . وابن العربي في كتاب « العواصم » يرى إبطال هذه الإشارات كلها حتى أنه بعد أن ذكر نحلة الباطنية وذكر « رسائل إخوان الصفاء » أطلق القول في إبطال أن يكون للقرآن باطن غير ظاهره ، وحتى أنه بعد ما نوه بالثناء على الغزالي في تصديه للرد على الباطنية والفلاسفة قال : « وقد كان أبو حامد بدرا في ظلمة الليالي ، وعقدا في لبّة المعالي ، حتى أوغل في التصوف ، وأكثر معهم التصرف ، فخرج عن الحقيقة ، وحاد في أكثر أقواله عن الطريقة ا ه » . وعندي أن هذه الإشارات لا تعدو واحدا من ثلاثة أنحاء : الأول ما كان يجري فيه معنى الآية مجرى التمثيل لحال شبيه بذلك المعنى كما يقولون مثلا :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
أنه إشارة للقلوب لأنها مواضع الخضوع للّه تعالى إذ بها يعرف فتسجد له القلوب بفناء النفوس . ومنعها من ذكره هو الحيلولة بينها وبين المعارف اللدنية ،
وَسَعى فِي خَرابِها
[ البقرة : 114 ] بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى ، فهذا يشبه ضرب المثل لحال من لا يزكي نفسه بالمعرفة ويمنع قلبه أن تدخله صفات الكمال الناشئة عنها بحال مانع المساجد أن يذكر فيها اسم اللّه ، وذكر الآية عند تلك
هامش
( 1 ) ج 1 / 49 - دار المعرفة - « كتاب العلم » . الباب الخامس : في آداب المتعلم والمعلم . انظر أيضا : « إتحاف الزبيدي » 1 / 306 .