التشويق إلى ما يأتي بعده ما يفيده إبهام بعض كلامه ثم تعقيبه ببيانه ، فإذا كان من مواقع البلاغة نحو الإتيان بلفظ الاستئناف البياني ، فإنّ السكوت عند كلمة وتعقيبها بما بعدها يجعل ما بعدها بمنزلة الاستئناف البياني ، وإن لم يكنه عينه ، مثاله قوله تعالى :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
[ النازعات : 16 ] فإنّ الوقف على قوله ( موسى ) يحدث في نفس السامع ترقبا لما يبيّن حديث موسى ، فإذا جاء بعده
إِذْ ناداهُ رَبُّهُ
إلخ حصل البيان مع ما يحصل عند الوقف على كلمة ( موسى ) من قرينة من قرائن الكلام لأنه على سجعة الألف مثل قوله :
طُوىً
،
طَغى
[ النازعات : 17 ] ،
تَزَكَّى
[ النازعات : 18 ] ، إلخ .
وقد بينت عند تفسير قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة :
2 ] أنّك إن وقفت على كلمة
رَيْبَ
كان من قبيل إيجاز الحذف أي لا ريب في أنّه الكتاب فكانت جملة
فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
ابتداء كلام وكان مفاد حرف ( في ) استنزال طائر المعاندين أي إن لم يكن كلّه هدى فإنّ فيه هدى ، وإن وصلت
فِيهِ
كان من قبيل الإطناب وكان ما بعده مفيدا أنّ هذا الكتاب كلّه هدى .
ومن أساليب القرآن العدول عن تكرير اللفظ والصيغة فيما عدا المقامات التي تقتضي التكرير من تهويل ونحوه ، ومما عدل فيه عن تكرير الصيغة قوله تعالى :
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] فجاء بلفظ قلوب جمعا مع أن المخاطب امرأتان فلم يقل قلبا كما تجنبا لتعدد صيغة المثنى .
ومن ذلك قوله تعالى :
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
[ الأنعام : 139 ] فروعي معنى ما الموصولة مرّة فأتى بضمير جماعة المؤنث وهو
خالِصَةٌ
، وروعي لفظ ما الموصولة فأتي بمحرم مذكّرا مفردا .
إن المقام قد يقتضى شيئين متساويين أو أشياء متساوية فيكون البليغ مخيرا في أحدهما وله ذكرهما تفننا وقد وقع في القرآن كثير من هذا :
من ذلك قوله :
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً
بواو العطف في سورة البقرة [ 35 ] ، وقوله في الأعراف [ 19 ]
فَكُلا
بفاء التفريع وكلاهما مطابق للمقام فإنه أمر ثان وهو أمر مفرع على الإسكان فيجوز أن يحكى بكل من الاعتبارين ، ومنه قوله في سورة البقرة [ 58 ] :
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها
وفي سورة الأعراف [ 161 ] :
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها
فعبر مرة