تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
ومن أساليبه ما أسمّيه بالتفنن وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذليل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرير الكلم ، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية فهو في القرآن كثير ، ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه ، ومن أبدع أمثله ذلك قوله :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 17 - 20 ] بحيث كان أكثر أساليب القرآن من الأساليب البديعة العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء وأصحاب بدائه الأجوبة . وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المنتقل منه والمنتقل إليه هي في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله . وذلك التفنن مما يعين على استماع السامعين ويدفع سآمة الإطالة عنهم ، فإن من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته كما قال تعالى :
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
[ المزمل : 20 ] فقوله
ما تَيَسَّرَ
يقتضي الاستكثار بقدر التّيسّر ، وفي تناسب أقواله وتفنن أغراضه مجلبة لذلك التيسير وعون على التكثير . نقل عن أبي بكر بن العربي أنه قال في كتابه « سراج المريدين » : « ارتباط آي القرآن بعضها مع بعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متّسعة المعاني منتظمة المباني ، علم عظيم » ونقل الزركشي عن عز الدين بن عبد السلام : « المناسبة علم حسن ويشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، والقرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه بعض » . وقال شمس الدين محمود الأصفهاني في « تفسيره » نقلا عن الفخر الرازي أنه قال : « إن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه هو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك » . إن بلاغة الكلام لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية ، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي تؤدي بها تلك التراكيب . فإن سكوت المتكلم البليغ في جملة سكوتا خفيفا قد يفيد من