تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
طريقة واحدة تشابهت فنونها فكادوا لا يعدون ما ألفوه من ذلك حتى إنك لتجد الشاعر يحذو حذو الشاعر في فواتح القصائد وفي كثير من تراكيبها ، فكم من قصائد افتتحت بقولهم : « بانت سعاد » للنابغة وكعب بن زهير ، وكم من شعر افتتح ب :
يا خليليّ أربعا واستخبرا
وكم من شعر افتتح ب :
يا أيها الراكب المزجي مطيته * وقال امرؤ القيس في معلقته :
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * يقولون لا تهلك أسى وتحمل
فقال طرفة في معلقته بيتا مماثلا له سوى أن كلمة القافية منه « وتجلّد » . وكذلك القول في خطبهم تكاد تكون لهجة واحدة وأسلوبا واحدا فيما بلغنا من خطب سحبان وقس بن ساعدة . وكذلك أسجاع الكهان وهي قد اختصت بقصر الفقرات وغرابة الكلمات . إنما كان الشعر الغالب على كلامهم ، وكانت الخطابة بحالة ندور لندرة مقاماتها . قال عمر « كان الشعر علم القوم ولم يكن لهم علم أصح منه » فانحصر تسابق جياد البلاغة في ميدان الكلام المنظوم ، فلما جاء القرآن ولم يكن شعرا ولا سجع كهان ، وكان من أسلوب النثر أقرب إلى الخطابة ، ابتكر للقول أساليب كثيرة بعضها تتنوع بتنوع المقاصد ، ومقاصدها بتنوع أسلوب الإنشاء ، فيها أفانين كثيرة فيجد فيه المطلع على لسان العرب بغيته ورغبته ، ولهذا قال الوليد بن المغيرة لما استمع إلى قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه ما هو بكاهن ، ما هو بزمزمته ولا سجعه ، وقد عرفنا الشّعر كله رجزه وهزجه ، وقريضه ومبسوطه ، ومقبوضه ما هو بشاعر » . وكذلك وصفه أنيس بن جنادة الغفاري الشاعر أخو أبي ذر حين انطلق إلى مكة ليسمع من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويأتي بخبره إلى أخيه فقال : « لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعته على أقراء الشّعر « 1 » فلم يلتئم ، وما يلتئم على لسان واحد بعدي أنه شعر » ثم أسلم . وورد مثل هذه الصفة عن عتبة بن ربيعة والنّضر بن الحارث ، والظاهر أن المشركين لما لم يجدوا بدّا من إلحاق القرآن بصنف من أصناف كلامهم ألحقوه بأشبه
هامش
( 1 ) الأقراء جمع قرء وهو الطريق .