تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : 94 ] فسجد وقال : سجدت لفصاحته ، ( وكان موضع التأثير في هذه الجملة هو كلمة اصدع في إبانتها عن الدعوة والجهر بها والشجاعة فيها ، وكلمة
بِما تُؤْمَرُ
في إيجازها وجمعها ) « 1 » . وسمع آخر رجلا يقرأ :
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
[ يوسف : 80 ] فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تحدّى به وأنّ العرب عجزوا عن معارضته مما علم بالضرورة إجمالا وتصدى أهل علم البلاغة لتفصيله . قال السكاكي في « المفتاح » : « واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، أو كالملاحة ، ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا ، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين ( المعاني والبيان ) نعم للبلاغة وجوه متلثمة ربما تيسرت إماطة اللّثام عنها لتجلى عليك ، أما نفس وجه الإعجاز فلا » ا ه . قال التفتازانيّ : « يعني أن كل ما ندركه بعقولنا ففي غالب الأمر نتمكن من التعبير عنه ، والإعجاز ليس كذلك لأنا نعلم قطعا من كلام اللّه أنه بحيث لا تمكن للبشر معارضته والإتيان بمثله ولا يماثله شيء من كلام فصحاء العرب مع أن كلماته كلمات كلامهم ، وكذا هيئات تراكيبه ، كما أنا نجد كلاما نعلم قطعا أنه مستقيم الوزن دون آخر ، وكما أنا ندرك من أحد كون كل عضو منه كما ينبغي وآخر كذلك أو دون ذلك ، لكن فيه شيء نسميه الملاحة ولا نعرف أنه ما هو ، وليس مدرك الإعجاز عند المصنف سوى الذوق وهو قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك لطائف الكلام ووجوه محاسنه الخفية ، فإن كان حاصلا بالفطرة فذاك وإن أريد اكتسابه فلا طريق إليه سوى الاعتناء بعلمي المعاني والبيان وطول ممارستهما والاشتغال بهما ، وإن جمع بين الذوق الفطري وطول خدمة العلمين فلا غاية وراءه ، فوجه الإعجاز أمر من جنس البلاغة والفصاحة لا كما ذهب إليه النظّام وجمع من المعتزلة أن إعجازه بالصّرفة بمعنى أن اللّه صرف العرب عن معارضته وسلب قدرتهم عليها ، ولا كما ذهب إليه جماعة من أن إعجازه بمخالفة أسلوبه لأساليب كلامهم من الأشعار والخطب والرسائل لا سيما في المقاطع مثل يؤمنون وينفقون ويعلمون ( قال السيد لا سيما في مطالع السور ومقاطع الآي ) أو بسلامته من التناقض ( قال السيد مع طوله
هامش
( 1 ) ما بين الهلالين كلام للمصنف .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور