تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
فأما الجهة الأولى فمرجعها إلى ما يسمّى بالطرف الأعلى من البلاغة والفصاحة ، وهو المصطلح على تسميته حدّ الإعجاز ، فلقد كان منتهى التنافس عند العرب بمقدار التفوق في البلاغة والفصاحة ، وقد وصف أئمة البلاغة والأدب هذين الأمرين بما دوّن له علما المعاني والبيان ، وتصدّوا في خلال ذلك للموازنة بين ما ورد في القرآن من ضروب البلاغة وبين أبلغ ما حفظ عن العرب من ذلك مما عدّ في أقصى درجاتها . وقد تصدى أمثال أبي بكر الباقلاني وأبي هلال العسكري وعبد القاهر والسّكّاكي وابن الأثير ، إلى الموازنة بين ما ورد في القرآن وبين ما ورد في بليغ كلام العرب من بعض فنون البلاغة بما فيه مقنع للمتأمّل ، ومثل للمتمثّل . وليس من حظ الواصف إعجاز القرآن وصفا إجماليا كصنعنا هاهنا أن يصف هذه الجهة وصفا مفصلا لكثرة أفانينها ، فحسبنا أن نحيل في تحصيل كلياتها وقواعدها على الكتب المجعولة لذلك مثل « دلائل الإعجاز » ، و « أسرار البلاغة » ، والقسم الثالث فما بعده من « المفتاح » ، ونحو ذلك ، وأن نحيل في تفاصيلها الواصفة لإعجاز آي القرآن على التفاسير المؤلّفة في ذلك وعمدتها كتاب « الكشاف » للعلامة الزمخشري ، وما سنستنبطه ونبتكره في تفسيرنا هذا إن شاء اللّه ، غير أني ذاكر هنا أصولا لنواحي إعجازه من هذه الجهة وبخاصة ما لم يذكره الأئمة أو أجملوا في ذكره . وحسبنا هنا الدليل الإجمالي وهو أن اللّه تعالى تحدى بلغاءهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يتعرض واحد إلى معارضته ، اعترافا بالحق وربئا بأنفسهم عن التعريض بالنفس إلى الافتضاح ، مع أنهم أهل القدرة في أفانين الكلام نظما ونثرا ، وترغيبا وزجرا ، قد خصّوا من بين الأمم بقوة الذهن وشدة الحافظة وفصاحة اللسان وتبيان المعاني ، فلا يستصعب عليهم سابق من المعاني ، ولا يجمع بهم عسير من المقامات . قال عياض في « الشفاء » : « فلم يزل يقرّعهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أشدّ التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفّه أحلامهم ويحط أعلامهم وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته ، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء بالافتراء ، وقولهم :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
[ المدثر : 24 ] و
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
[ القمر : 2 ] و
إِفْكٌ افْتَراهُ
[ الفرقان : 4 ] و
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ *
[ الأنعام : 25 ] وقد قال تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
، فما فعلوا ولا قدروا ، ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره لجميعهم . ولمّا سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
[ النحل : 90 ] الآية قال : واللّه إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أسفله لمغدق وإنّ أعلاه لمثمر وما هو بكلام بشر . وذكر