تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
عليه من الإخبار عن المغيّبات مما دل على أنه منزل من علّام الغيوب ، وقد يدخل في هذه الجهة ما عده عياض في « الشفاء » وجها رابعا من وجوه إعجاز القرآن وهو ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذّ من أحبار أهل الكتاب ، فهذا معجز للعرب الأميين خاصة وليس معجزا لأهل الكتاب ؛ وخاصّ ثبوت إعجازه بأهل الإنصاف من الناظرين في نشأة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأحواله ، وليس معجزا للمكابرين فقد قالوا
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
[ النحل : 103 ] . فإعجاز القرآن من الجهتين الأولى والثانية متوجه إلى العرب ، إذ هو معجز لفصحائهم وخطبائهم وشعرائهم مباشرة ، ومعجز لعامتهم بواسطة إدراكهم أن عجز مقارعيه عن معارضته مع توفر الدواعي عليه هو برهان ساطع على أنه تجاوز طاقة جميعهم . ثم هو بذلك دليل على صدق المنزّل عليه لدى بقية البشر الذين بلغ إليهم صدى عجز العرب بلوغا لا يستطاع إنكاره لمعاصريه بتواتر الأخبار ، ولمن جاء بعدهم بشواهد التاريخ . فإعجازه للعرب الحاضرين دليل تفصيلي ، وإعجازه لغيرهم دليل إجمالي . ثم قد يشارك خاصة العرب في إدراك إعجازه كلّ من تعلم لغتهم ومارس بليغ كلامهم وآدابهم من أئمة البلاغة العربية في مختلف العصور ، وهذا معنى قول السكاكي في « المفتاح » مخاطبا للناظر في كتابه « متوسلا بذلك ( أي بمعرفة الخصائص البلاغية التي هو بصدد الكلام عليها إلى أن تتأنّق في وجه الإعجاز في التنزيل منتقلا مما أجمله عجز المتحدّين به عندك إلى التفصيل » . والقرآن معجز من الجهة الثالثة للبشر قاطبة إعجازا مستمرا على ممر العصور ، وهذا من جملة ما شمله قول أئمة الدين : إن القرآن هو المعجزة المستمرة على تعاقب السنين ، لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية ، وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك . وهو من الجهة الرابعة - عند الذين اعتبروها زائدة على الجهات الثلاث - معجز لأهل عصر نزوله إعجازا تفصيليا ، ومعجز لمن يجيء بعدهم ممن يبلغه ذلك بسبب تواتر نقل القرآن ، وتعيّن صرف الآيات المشتملة على هذا الإخبار إلى ما أريد منها . هذا ملاك الإعجاز بحسب ما انتهى إليه استقراؤنا إجمالا ، ولنأخذ في شيء من تفصيل ذلك وتمثيله .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 103 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور