القلوب بين النجاة والهلاك ، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال هو يوم القيامة
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا
أي ثوابه وأحسن بمعنى حسن
وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
( 38 ) يقال : فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
جمع قاع أي في فلاة ، وهو شعاع يرى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري
يَحْسَبُهُ
يظنه
الظَّمْآنُ
أي العطشان
ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
مما حسبه
شرح
قوله : ( بين ناحية اليمين والشمال ) وقيل تقلب الأبصار ، شخوصها من هول الأمر وشدته .
قوله :لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُاللام للعاقبة والصيرورة ، أي إن مآل أمرهم وعاقبته الجزاء الحسن ، وليست لام العلة ، لأن هذه مرتبة عامة المؤمنين ، وتلك الأوصاف إنما هي لكامل الإيمان . قوله : ( وأحسن بمعنى حسن ) أي فالمحترز عنه المجازاة على القبيح ، فالمعنى يجازون على كل عمل حسن ، قال تعالى :إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًاولا يجازون على ما سبق من العمل القبيح .
قوله :وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِأي فلا يقتصر في إعطائهم على جزاء أعمالهم ، بل يعطون أشياء لم تخطر ببالهم . قوله :وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍتذييل ووعد كريم ، بأنه تعالى يعطيهم فوق أجور أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب . قوله : ( يقال فلان ينفق بغير حساب ) الخ ، أي فهو كناية عن كون اللّه يعطيهم ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر بغير نهاية ، فوق ما وعدهم به .
قوله :وَالَّذِينَ كَفَرُواالخ ، لما ضرب اللّه المثل للمؤمنين بأشرف الأمثال وأعلاها ، ضرب المثل للكفار بأشر الأشياء وأخسها . والحاصل أن اللّه ضرب للكفار مثلين : مثل لأعمالهم الحسنة بقوله :كَسَرابٍالخ ، ومثل لأعمالهم السيئة بقوله :كَظُلُماتٍالخ ، والاسم الموصول مبتدأ ، وكَفَرُواصلته ، وأَعْمالُهُمْمبتدأ ثان ، وكَسَرابٍخبر الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول ، ويصح أن يكونأَعْمالُهُمْبدل اشتمال ، وكَسَرابٍخبرالَّذِينَ. قوله :أَعْمالُهُمْأي الصالحة ، كصدقة وعتق وغير ذلك مما لا يتوقف على نية . قوله :بِقِيعَةٍالباء بمعنى في كما يشير له المفسر بقوله : ( أي في فلاة ) . قوله : ( جمع قاع ) أي كجيرة جمع جار ، وقيل القيعة مفرد بمعنى القاع . قوله : ( يشبه الماء الجاري ) أي ويسمى آلا أيضا ، قال الشاعر :إذا أنا كالذي يجري لورد * إلى آل فلم يدرك بلالاويسمى سرابا لأنه يتسرب أي يجري كالماء . قوله :يَحْسَبُهُبكسر السين وفتحها ، قراءتان سبعيتان ، وماضيه حسب بكسر السين ، وهو من باب تعب ، في لغة جميع العرب ، إلا بني كنانة ، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا . قوله :الظَّمْآنُأي وكذا كل من رآه ، وإنما خصالظَّمْآنُلأنه أحوج إليه من غيره . قوله :حَتَّى إِذا جاءَهُأي جاء ما قصده وظنه ماء ، وهو غاية في محذوف ، أي يستمر سائرا اليهحَتَّى إِذا جاءَهُالخ . قوله : ( كذلك الكافر ) الخ ، أشار بذلك إلى وجه الشبه ، فتحصل أنه شبه حال الكافر من حيث اعتقاده ، أن عمله الصالح ينفعه في الآخرة ، فإذا جاء يوم