متى تأتي ؟ ظنا منهم أنها غير آتية
وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ
خائفون
مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ
يجادلون
فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
( 18 )
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
برّهم وفاجرهم حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
من كل منهم ما يشاء
وَهُوَ الْقَوِيُّ
على مراده
الْعَزِيزُ
( 19 ) الغالب على أمره
مَنْ كانَ يُرِيدُ
بعمله
حَرْثَ الْآخِرَةِ
أي
شرح
قوله : ( أو ما بعده سد مسد المفعولين ) أي الثاني والثالث ، وأما الأول فهو الكاف ، ويتعين جعل ( أو ) بمعنى الواو .
قوله :الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهاأي فلا يشفقون منها ، وقوله :الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهاأي فلا يستعجلون بها ، ففي الآية احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر . قوله :أَنَّهَا الْحَقُّأي كائنة وحاصلة لا محالة . قوله :فِي السَّاعَةِأي في إتيانها . قوله :لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍأي عن الاهتداء .
قوله :اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِأي حفيّ بهم ، وقيل : بارّ بهم ، وقيل : رفيق بهم ، وقيل : معناه لطيف بهم في العرض والمحاسبة ، وقيل : يلطف بهم في الرزق من وجهين : أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات ، والثاني أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره ، وقيل اللطيف من إذا لجأ إليه أحد من عباده قبله وأقبل عليه ، وفي الحديث : « إن اللّه تعالى يطلع على القبور الدوارس ، فيقول اللّه عزّ وجل : انمحقت آثارهم ، واضمحلت صورهم ، وبقي عليهم العذاب ، وأنا اللطيف ، وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم » وقيل : اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ، ويستر عليهم المثالب ، ومنه حديث : « يا من أظهر الجميل وستر القبيح » ، وقيل : هو الذي يقبل القليل ، ويبذل الجزيل ، وقيل : هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير ، وقيل : هو الذي لا يخاف إلا عدله ، ولا يرجى إلا فضله ، وقيل : هو الذي يعين على الخدمة ، ويكثر المدحة ، وقيل : هو الذي لا يعاجل من عصاه ، ولا يخيب من رجاه ، وقيل : هو الذي لا يرد سائله ، ولا يؤيس آمله ، وقيل : هو الذي يعفو عمن يهفو ، وقيل : هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه ، وقيل : هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا ، وجعل لهم الصراط المستقيم منهاجا ، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا ، وبالجملة فهذا الاسم جامع لمعاني الأسماء الجمالية ، فينبغي للعاقل الإكثار من ذكره ، سيما إذا قصد بذكره رضا ربه ، فإن له السعادة دنيا وأخرى ، ويكفي همومهما لما ورد : اعمل لوجه واحد ، يكفك كل الأوجه . قوله : ( من كل منهم ) بيان لمن ، والمعنى : أن الذي يشاء رزقه هو كل منهم .
قوله :مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِإلخ ، الحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ، ويطلق على الزرع الحاصل منه ، ثم استعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها ، على سبيل الاستعارة ، حيث شبهت ثمرات الأعمال بالغلال الحاصلة من البذر ، بجامع حصول العمل والتعب في كل ، فإن من أتعب نفسه أيام البذر ، واشتغل بالحرث والزرع أراحها ووجد الثمرات أيام الحصاد ، فكذلك من أتعب نفسه في الدنيا ، وعمل ابتغاء وجه ربه ، فإنه يجد ثمرات أعماله في الآخرة ، ومنها هنا حديث : « الدنيا مزرعة للآخرة » ، وهذه الآية عامة ، لبيان حال المخلص في عمله لوجه اللّه ، والذي يطلب بعمله أعراض الدنيا ذكرا أو أنثى ، لأنمَنْمن صيغ العموم ، وقوله : ( بعمله ) المراد به خدمته في الدنيا ، صلاة أو صوما أو غيرهما ، كالسعي على العيال ، وحينئذ فالمدار على النية الحسنة ، إذ بها تصير العادات عبادات . قوله :