تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠

( المسألة الأولى ) : قال تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ

[ فاطر : الآية 9 ] . بلفظ الماضي وقال :
فَتُثِيرُ سَحاباً
[ الرّوم : الآية 48 ] . بصيغة المستقبل ، وذلك لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى اللّه وما يفعل اللّه يكون بقوله :
كُنْ
[ البقرة : الآية 117 ] . فلا يبقى في العدم لا زمانا ولا جزءا من الزمان فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان ، وكأنه فرغ من كل شيء ، فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة ، والتقدير كالإرسال ، ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح ، وهو يؤلف في زمان فقال تثير أي على هيئتها .

( المسألة الثانية ) : قال أرسل إسنادا للفعل إلى الغائب ، وقال : ( سقنا ) بإسناد الفعل إلى المتكلم وكذلك في قوله : فَأَحْيَيْنا

[ فاطر : الآية 9 ] . وذلك لأنه في الأول عرّف نفسه بفعل من الأفعال ، وهو الإرسال ، ثم لما عرف قال : أنا الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض ففي الأول كان تعريفا بالفعل العجيب . وقوله : سقنا وأحيينا . بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من الفرق بين قوله أرسل وبين قوله تثير .

( المسألة الثالثة ) : ما وجه التشبيه بقوله : كَذلِكَ النُّشُورُ

[ فاطر : الآية 9 ] . بقول فيه وجوه : ( أحدها ) : أن الأرض الميتة كما قبلت المياه اللائقة بها كذلك انتشرت الكرات الصغيرة من أسطحة البحار للجو . ( وثانيها ) : كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع الماء بين أجزاء الأرض . ( وثالثها ) : كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق المياه من باطن الأرض إلى البحار ، فقد ظهر لك كيفية الدورة الحقيقية التي جعلها اللّه تنشأ منها الكائنات الموجودة المعمورة بها الكون . قال بعض الفلاسفة : البحر المحيط هو منبع النوع البشري إذ في وسط هذا العنصر السائل تحت الحياة العضوية في المادة الغير المتحركة حتى الجزء المادي الذي أراد الباري سبحانه إحياءه ، واكتسب على توالي الزمان أحوالا وعوائد وتنوعات كثيرة في الشكل الذي نراه في الكائنات الآلية .