تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
نصب لهم موضعا يقصدونه لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب ، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه ، وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكنا لنفسه ، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد عن نفسه ، وإذا أمرهم بتحميده وتمجده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد والتعظيم ولا يغتم بتركه والإعراض عنه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى أخبر أنه خلق السماوات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع ، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد ، فكان قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال ، ثم قال القفال : والدليل على أن هذا هو المراد قوله في سورة يونس :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
[ يونس : الآية 3 ] . كما يأتي ذكرها بعد فقوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
[ يونس : الآية 3 ] . جرى مجرى التفسير لقوله :
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] وقال في هذه الآية التي نحن في تفسيرها
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : الآية 54 ] . وهذا يدل على أن قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . إشارة إلى ما ذكرناه ( فإن قيل ) : فإذا حملتم قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . على أن المراد استوى على الملك وجب أن يقال اللّه تعالى لم يكن مستوليا قبل خلق السماوات والأرض قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادرا على تخليقها وتكوينها وما كان مكونا ولا موجدا لها بأعيانها بالفعل ؛ لأن إحياء زيد وإماتة عمرو وإطعام هذا وإرواء هذا لا يحصل إلا عند هذه الأحوال ، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال صح أن يقال : إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السماوات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلق السماوات والأرض ، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع . القول الثاني : في الجواب أن يقال : استوى بمعنى استولى . القول الثالث : أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى على واستعلى على الملك . فيكون المعنى أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت في ترتيب الملك والملكوت .

وأما قوله تعالى : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ

[ الأعراف : الآية 54 ] .