شيئا وبعده شيئا آخر ، أما الذي ذكره قبل هذه الكلمة فهو قوله :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأعراف : الآية 54 ] . وقد بينا أن خلق السماوات يدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته من وجوه كثيرة .
وأما الذي ذكره بعد هذه الكلمة فأشياء :
( أولها ) : قوله :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
[ الأعراف : الآية 54 ] . أعني أن الكواكب الليلية تطلب حثيثا أي تتحرك وتطلب بعضها ، وذلك أحد الدلائل الدالة على وجود الصانع وهو اللّه تعالى وعلى قدرته وحكمته .
( وثانيها ) : قوله :
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
[ الأعراف : الآية 54 ] .
وهو أيضا من الدلائل الدالة على وجوده وقدرته وعلمه .
( وثالثها ) : قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : الآية 54 ] . وهو أيضا إشارة إلى كمال قدرته وحكمته ، فإذا ثبت هذا فنقول أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة والعلم وآخرها يدل أيضا على هذا المطلوب ، وإذا كان الأمر كذلك فقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . وجب أن يكون أيضا دليلا على كماله في القدرة والعلم ؛ لأنه لو لم يدل عليه ، بل كان المراد كونه مستقرّا على العرش ، كان ذلك كلاما أجنبيّا عما قبله وعما بعده ، فإن كونه تعالى مستقرّا على العرش لا يمكن جعله دليلا على كماله في القدرة والحكمة ، وليس أيضا من صفات المدح والثناء ؛ لأنه تعالى قادر على أن يجلس جميع أعداد البق والبعوض على العرش وعلى ما فوق العرش فثبت أن كونه جالسا على العرش ليس من دلائل إثبات الصفات والذات ، ولا من صفات المدح والثناء فلو كان المراد من قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . كونه جالسا على العرش لكان ذلك كلاما أجنبيا عما قبله وعما بعده ، وهذا يوجب نهاية الركاكة فثبت أن المراد منه ليس ذلك بل المراد منه كمال قدرته في تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها ، وهو المطلوب .
( ورابعها ) : أن السماء عبارة عن كل ما ارتفع وسما وعلا ، والدليل عليه أنه تعالى سمى السحاب سماء حيث قال :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
[ الأنفال : الآية 11 ] .
وإذا كان الأمر كذلك فكل ما له ارتفاع وعلو وسمو كان سماء ، فلو كان إله العالم موجودا فوق العرش لكان ذات الإله تعالى سماء لساكن العرش ، فثبت أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان سماء واللّه تعالى حكم بكونه خالقا لكل السماوات في آيات كثيرة منها هذه الآية وهي