تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
سليمان أكانت ذكرا أم أنثى فافحم ، فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : كانت أثنى فقيل له : من أين عرفت ؟ فقال من كتاب اللّه تعالى ، وهو قوله تعالى :
قالَتْ نَمْلَةٌ
[ النّمل : الآية 18 ] . ولو كان ذكرا لقال قال نملة وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى ، فيميز بينهما علامة نحو قولهم : حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي وقرئ ( نملة ) يا أيها النمل بضم الميم وهو الأصل كالرجل ، وتسكين الميم تخفيف منه كالسبع في السبع ، وقرئ بضم النون والميم . وقيل كانت نملة عرجاء تمشي وهي تتكاوس فنادت بما قالت فسمع سليمان - عليه السّلام - كلامها من ثلاثة أميال . وقيل : كان اسمها طاخية ، وقرئ ( مسكنكم ) . وقوله تعالى :
لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ
[ النّمل : الآية 18 ] . نهى في الحقيقة للنمل عن التأخر في دخول مسكنكم ، وإن كان بحسب الظاهر نهيا له عليه الصلاة والسّلام ولجنوده عن الحطم كقولهم : لا أرينك هاهنا فهو استئناف أو بدل من الأمر كقول من قال :
فقلت له : ارحل لا تقيمن عندنا
لا جواب له فإن النون لا تدخله في السعة . وقرئ ( لا يحطمنكم ) بفتح الحاء وكسرها وأصله لا يحطمنكم . وقوله تعالى :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
[ الأعراف : الآية 95 ] . حال من فاعل يحطمنكم مفيدة لتقييد الحطم بحال عدم شعورهم بمكانهم حتى لو شعروا بذلك لم يحطموا ، أو أرادت بذلك الإيذان بأنها عارفة بشؤون سليمان وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام من عصمتهم عن الظلم والإيذاء . وقيل : استئناف . أي فهم سليمان ما قالته والقوم لا يشعرون بذلك .
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
[ النّمل : الآية 19 ] تعجبا من حذرها واهتدائها إلى تدبير مصالحها ومصالح بني نوعها ، وسرورا بشهرة حاله وحال جنوده في باب التقوى والشفقة فيما بين أصناف المخلوقات التي هي أبعدها من إدراك أمثال هذه الأمور ، وابتهاجا بما خصه اللّه تعالى من إدراك همسها وفهم مرادها . روي أنها أحست بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء ، فأمر سليمان عليه السّلام الريح فوقفت لئلا يذعر حتى دخلن مساكنهن .