وأفهمك في عمل الشمع والعسل أو يكون المراد فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك ،
وأما قوله : ذُلُلًا
[ النّحل : الآية 69 ] .
فقيه قولان :
( الأول ) : أنه حال من السبل ؛ لأن اللّه تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها كقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
[ الملك : الآية 15 ] .
( الثاني ) : أنه حال من الضمير في فاسلكي أي وأنت أيتها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة .
ثم قال تعالى : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
[ النّحل : الآية 69 ] . وفيه بحثان :
( الأول ) : أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة ،
والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة اللّه تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي ، فكأنه تعالى لما خاطب بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال : إنا ألهمنا هذا النحل هذه العجائب ، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه .
( البحث الثاني ) : المراد من قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها
[ النّحل : الآية 69 ] . أي من أفواهها ،
وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطنا ألا ترى أنهم يقولون بطون الدماغ ، ويعنون أنها تجاويف الدماغ ، وكذا هاهنا يخرج من بطونها أي أفواهها ، وذلك هو العسل فالكلام ظاهر .
( قوله : شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) :
اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاث ، فالصفة الأولى كونه شراب والأمر كذلك ؛ لأنه تارة يشرب وحده ، وتارة تتخذ منه الأشربة ، والصفة الثانية كونه مختلفا ألوانه ، والمعنى أن منه أحمر وأبيض وأصفر وأسود ونظيره قوله تعالى :
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
[ فاطر : الآية 27 ] . والمقصود منه إبطال القول بالطبع ؛ لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث عن ألوان مختلفة دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار ، والصفة الثالثة قوله :
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
[ النّحل : الآية 69 ] . ( فإن قيل ) : هو يضر ببعض الأشخاص . ( قلنا ) : إنه تعالى لم يقل :