تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
( أحدها ) : أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما ؛ والكلام لا يصدر إلا من العقلاء ، وذلك يجري إلى السفسطة فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهد في زماننا أن يوجد أعلم بالهندسة من أوقليدس وبالنحو من سيبويه ، وكذا القول في القمل والصئبان ، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات ، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب . ( وثانيها ) : سليمان عليه السّلام كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم يرجع إليه . ( وثالثها ) : كيف خفي على سليمان عليه السّلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال : إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان ، وأنه عليه السّلام كان ملك الدنيا بالكلية ، وكان تحت راية بلقيس على ما يقال اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد مائة ألف ومع أنه يقال : إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام . ( ورابعها ) : من أين حصل للهدهد معرفة اللّه تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه . ( والجواب عن الأول ) : أن النملة لما تنفست بما خطر لها وقع تنفسها في تموجات الهواء حتى وصل بقدرة اللّه إلى سيدنا سليمان ، أو أن ذلك الاحتمال قائم في أول الأمر ، وإنما يدفع ذلك بالإجماع . وعن البواقي أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر الحكيم المختار يزيل هذه الشكوك .

( البحث الثاني ) : قالت المعتزلة : قوله : يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ

[ النّمل : الآية 24 ] . يدل على أن فعل العبد من جهته ؛ لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم ولأنه أورد مورد الذم ؛ ولأنه بين أنهم لا يهتدون . والجواب من وجوه : ( أحدها ) : أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة . ( وثانيها ) : أنه متروك الظاهر فإنه قال :
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
[ النّمل : الآية 24 ] . وعندهم الشيطان ما صد الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدودا ممنوعا من اللّه لسقط عنه التكليف فلم يبق هاهنا إلا التمسك بفصل المدح والذم ، والجواب قد تقدم عنه مرارا ، فلا فائدة في الإعادة ، واللّه أعلم .