( المقالة السابعة والأربعون ) في قوله تعالى : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
[ الأعراف : الآية 133 ] .
اعلم أن القوم قالوا لموسى - عليه السّلام - مهما أتيتنا بآية من ربك فهي عندنا من باب السحر ، ونحن لا نؤمن بها البتة ، وكان موسى - عليه السّلام - رجلا حديدا ، فعند ذلك دعا عليهم ، فاستجاب اللّه له فأرسل اللّه عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا سبتا إلى سبت حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا وقمرا ، ولا يستطيع الخروج من داره ، وجاءهم الغرق فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به ، فأرسل إلى موسى عليه السّلام وقال : اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا ، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك فأزال اللّه عنهم المطر ، وأرسل الرياح فجفت الأرض ، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط ، فقالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا واللّه لا نؤمن بك ولا ترسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد ، فأرسل اللّه عليهم الجراد فأكل النبات ، وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعا فأكلت النبات ، فصرخ أهل مصر فدعا ، موسى - عليه السّلام - ربه فأرسل اللّه تعالى ريحا فاحتملت الجراد فألقته في البحر ، فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلأهم وزرعهم تكفيهم فقالوا : هذا الذي يكفينا ولا نؤمن بك ، فأرسل اللّه عليهم بعد ذلك القمل سبتا إلى سبت ، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته ، ولنبين لك هذين النوعين الجراد والقمل فنقول :
أما الجراد فلها فك معدة للمضغ وجناحاها العلويان رخوان وجناحاها السفليان منثنيان طولا على هيئة المروحة لا عرضا ، وهي تشبه الحشرات ذوات الأجنحة الغمدية خصوصا بأعضاء مضغها لكنها تتميز عنها بسهولة ، وذلك ببعض أوصاف واضحة جدا ، منها أن جسمها رخو ويندر أن يكون صلبا قرنيا كحجم الذراريح ، ومنها أن الجناحين الغمديين العلويين رقيقان لينان نصف شفافين متى تؤمل فيهما بين العين والضوء يرى أنهما محتويان على أعصاب كثيرة ، ومتى كانا نائمين على جسم الحشرات تتصالب حافتهما الأنسية ، والجناحان أعرض من الغمدين ، وهما غشائيان منثنيان طولا كالمروحة هي تتميز عن ذات الأجنحة الغمدية أيضا بانقلابه وبكيفية نموها ، فمتى خرجت حشرة صغيرة من البيضة تكون شبيهة بالحشرة التي تولدت منها ما عدا الأجنحة ، ويزداد حجمها بواسطة جملة انقلابات متعاقبة أي تغيير الجلد وتظهر آثار الجناحين والغمدين قبل الانقلاب الأخير ، وحينئذ تعتبر